قال جورجيو كافيرو، الرئيس التنفيذي لمركز "جلف ستيت أنالايتيك" وأستاذ مساعد في جامعة جورجتاون، إن أي انهيار جديد في الهدنة بين إيران وإسرائيل سيؤدي إلى ارتداداتٍ عميقة تتجاوز الشرق الأوسط، لتصل إلى قلب آسيا الوسطى، محذّراً من أن المنطقة ستواجه مخاطر اقتصادية وأمنية، إذا عادت الحرب.

وأضاف كافيرو، أحد أبرز الخبراء في شؤون الخليج وآسيا الوسطى، في مقاله بموقع "ناشونال إنترست"، إن وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يونيو (حزيران) الماضي يظل هشاً، وأن تجدد القتال قد يهدد الممرات التجارية الحيوية، ويزعزع الاستقرار السياسي والاقتصادي في جمهوريات آسيا الوسطى الخمس.

آسيا الوسطى بين الحياد والحذر

وأوضح الباحث أن دول آسيا الوسطى، وهي كازاخستان، أوزبكستان، تركمانستان، قيرغيزستان، وطاجيكستان، حاولت الحفاظ على حياد دقيق إزاء الحرب الإيرانية -الإسرائيلية، لكنها تدرك أن موقعها الجغرافي يجعلها عرضة لأي تصعيد.

إيران تردّ على غروسي.. وتحذّر من "فشل جديد" - موقع 24حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، من أن أي هجوم جديد على بلاده سيشكّل "فشلاً جديداً"، وذلك بعد تصريحات لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ألمح فيها إلى احتمال اللجوء للقوة ضد إيران، حال تعثّر الجهود الدبلوماسية بشأن برنامجها النووي.

وأشار الكاتب إلى أن تركمانستان، باعتبارها الدولة الوحيدة التي تتشارك حدوداً مباشرة مع إيران، تواجه الخطر الأكبر في حال امتد الصراع، بينما تعتمد دول مثل كازاخستان وأوزبكستان على الممرات التجارية عبر الأراضي الإيرانية للوصول إلى الأسواق العالمية.

وأضاف الباحث أن ميناء بندر عباس الإيراني يمثل شرياناً اقتصادياً مهماً لدول المنطقة الحبيسة، وأن هذه الدول تنظر إلى إيران باعتبارها بوابة إلى المحيطات والأسواق الدولية رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها.

النفوذ الثقافي الإيراني

وقال الباحث إن النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى يستند إلى إرثٍ حضاري ولغوي وثقافي طويل، خاصة في طاجيكستان التي تعد الدولة الفارسية اللغة الوحيدة في المنطقة. وأوضح أن طهران لطالما سعت إلى توظيف هذا الإرث لتعزيز نفوذها الناعم.

ونقل الكاتب عن الدكتورة شيرين هانتر، الزميلة في جامعة جورجتاون، قولها إن "اللغة الفارسية كانت حتى القرن التاسع عشر واسعة الانتشار في المنطقة قبل حقبتي الروسنة والسوفيتية"، مشيرة إلى أن هذا الإرث الثقافي ما زال عاملاً جاذباً نحو إيران، خصوصاً في طاجيكستان وأوزبكستان.

هل اقترب هجوم ايران؟..3 مؤشرات على تحول مقلق لإسرائيل - موقع 24قالت صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية، إن الردع الإيراني تلقى ضربة غير مسبوقة، لكن يمكن تقدير أن "الأخطبوط الإيراني" يحاول إعادة بناء أذرعه المتضررة، حيث كشفت الصحيفة 3 مؤشرات مقلقة تشير إلى تحول في استراتيجية طهران، يجب أن تثير إنذاراً في إسرائيل، تشمل تصريحات كبار المسؤولين، ...

ولكن الكاتب أضاف أن الأيديولوجيا الإسلامية للجمهورية الإيرانية تسببت في توترٍ مع حكومات آسيا الوسطى العلمانية، لا سيما خلال تسعينيات القرن الماضي، حين كانت هذه الدول تواجه خطر الجماعات المسلحة، وبيّن أن دعم إيران سابقاً لـ"حزب النهضة" في طاجيكستان تسبب في فتورٍ طويل بالعلاقات الثنائية، رغم تحسنها النسبي في السنوات الأخيرة.

الواقعية السياسية والروابط الثقافية

وأشار الباحث إلى أن العلاقة بين كازاخستان وإيران تُدار على أساسٍ براغماتي أكثر من كونها قائمة على التضامن الديني أو الثقافي. ونقل عن الدكتور سانات كوشكومباييف، الباحث في معهد كازاخستان للدراسات الاستراتيجية، قوله: "كازاخستان تحترم تاريخ إيران وثقافتها، لكن علاقاتها مع طهران تقوم على الحسابات الاقتصادية والأمنية لا على القواسم الدينية".

وأضاف الباحث أن التراث الإسلامي المشترك لا يشكل عاملاً حاسماً في رسم سياسات دول آسيا الوسطى، التي تفضّل التعاون الاقتصادي على التحالفات العقائدية.

وتابع الباحث أن هذه الدول لا تزال ترفض النموذج السياسي الإيراني، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى الاستفادة من موقع إيران كممرٍ تجاري مهم ضمن ممر النقل الدولي "الشمال – الجنوب"، الذي يربط آسيا الوسطى بالمحيط الهندي.

إسرائيل.. لاعب صامت

وقال الباحث إن جميع دول آسيا الوسطى الخمس تحافظ على علاقاتٍ دبلوماسية مع إسرائيل، وإن كانت متفاوتة في مستواها. فبينما تمتلك كازاخستان وأوزبكستان سفارات متبادلة مع تل أبيب، تقتصر علاقات قيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان على تمثيل غير مباشر عبر دولٍ مجاورة.

وأضاف الباحث أن طهران تخشى أن تُستخدم هذه العلاقات الإسرائيلية كمنصاتٍ استخباراتية في خاصرتها الشرقية، خصوصاً في تركمانستان التي تشترك مع إيران بحدودٍ طولها 1100 كيلومتر.

وأوضح الباحث أن دول آسيا الوسطى تحاول موازنة علاقاتها بين طهران وتل أبيب على أساس المصلحة، فهي تدين أفعال إسرائيل ضد الفلسطينيين في الأمم المتحدة، لكنها تتجنب أي خطواتٍ عملية ضدها مثل قطع العلاقات أو فرض العقوبات.

مواقف الشعوب 

وأوضح الباحث أن الرأي العام في آسيا الوسطى ليس موحداً في نظرته إلى إيران أو إسرائيل، بل يتأثر بالعوامل التاريخية والثقافية الخاصة بكل بلد. ففي طاجيكستان، يتعاطف كثيرون مع إيران بفعل القرابة اللغوية والحضارية، بينما في الدول التركية الأربع، تبقى إيران لاعباً هامشياً في الوعي الشعبي.

وأضاف الباحث أن الدعم الشعبي الأكبر في المنطقة يتركز حول القضية الفلسطينية، لكنه لا يمتد بالضرورة إلى تأييد المواقف الإيرانية ضد إسرائيل. ففي قيرغيزستان، مثلاً، يتعامل المواطنون مع الصراع الإيراني – الإسرائيلي كحدثٍ بعيدٍ عن واقعهم اليومي، بينما يفضّل الكازاخيون سياسة خارجية متوازنة وغير تدخلية تركز على التنمية والاستقرار الداخلي.

آسيا الوسطى على رقعة النار

ورأى الباحث أن تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل لن يكون حدثاً شرق أوسطياً فحسب، بل زلزالاً جيوسياسياً تمتد آثاره إلى عمق آسيا الوسطى، حيث تعتمد الدول هناك على شبكات نقلٍ وتجاريةٍ تمر عبر إيران وروسيا نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وأضاف الباحث أن أي انهيار للهدنة سيهدد هذه الممرات، ويعيد إشعال التوترات الدينية والأمنية، محذّراً من احتمال تحول المنطقة إلى ساحة صراعٍ بالوكالة بين القوى الإقليمية الكبرى.

واختتم بالقول إن مستقبل الاستقرار في آسيا الوسطى يعتمد على قدرة دولها على الحفاظ على الحياد، وحماية مصالحها دون الانجرار إلى محاور الصراع العالمي.