قال محمد العبار ما لم يجرؤ كثيرون على قوله: «من دمّر غزة هو من عليه إعمارها».

جملة واحدة، لكنها تحمل من الشجاعة والصدق ما يكفي لإرباك كل الأصوات التي اعتادت التلاعب بالمواقف.

العبّار لم يُخطئ، ولم يتنصّل من واجب إنساني كما حاول البعض أن يصوّر، بل قال الحقيقة ببساطة جارحة: لا يحق لمن صنع الخراب أن يطلب من الآخرين إصلاحه. من أشعل النار لا يمكنه أن يكتفي بالبكاء على الرماد، ثم يتفرّج على الآخرين وهم يحملون الماء لإطفائها!

إن محاولة إحراج العبار أو غيره من رجال الأعمال بسؤال عن "إعادة إعمار غزة" ليست سوى طريقة مكشوفة للهروب من أصل القضية. لأن السؤال الحقيقي ليس "من سيبني؟" بل "من دمّر؟" ومن اتخذ القرار الذي قاد إلى كل هذا الخراب؟

حماس ومثيلاتها التي تصرّ على تقديم نفسها في ثوب البطولة، كانت الأولى أن تحسب خطواتها بميزان العقل لا الانفعال. فالشعارات لا تبني وطناً، ولا "التحرّش" بحرب لا تُكافأ بالنداءات العاطفية.

ما حدث كان اندفاعاً غير محسوب جرّ الويلات على الناس البسطاء، الذين دفعوا الثمن من دمائهم وبيوتهم ومستقبل أطفالهم كما هو واضح لكل عاقل يراقب المشهد بصورة صحيحة!

واليوم، بعد أن توقّف إطلاق النار، وبعد أن تدخّل قادة العالم لإيقاف ما لا يمكن احتماله، تبقى غزة تحت الركام. بقي أهلها في العراء، ينتظرون من يمدّ لهم يد العون، بينما يعيش قادة الفنادق في أمان ويتبادلون التصريحات والمقابلات. هل هذه هي البطولة؟ أم هو الهروب الكبير من الحقيقة؟ ومحاولات يائسة ومستميتة ليكونوا في السلطة؟

أظن أنه على حماس، التي جمعت الأموال باسم "المقاومة" طوال السنوات الماضية، أن تعيد النظر في مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية. تلك الأموال التي تراكمت من التبرعات والشعارات، أليست أولى الآن لإعادة إعمار البيوت التي تهدّمت، والمستشفيات التي سُوِّيت بالأرض، والمدارس التي صارت أنقاضاً؟ أليس من العدل أن يُصرَف ما جُمع باسم غزة على غزة نفسها؟ لا على من جرّ الخراب لها؟

أما أولئك الذين ملؤوا الدنيا صخباً بأساطيلهم وحملاتهم وضجيجهم الافتراضي، فقد حان الوقت ليترجموا كلامهم إلى فعل. غزة لا تحتاج صور التضامن المصنوعة ولا مقاطع العاطفة السريعة، بل تحتاج بناءً فعلياً، ومساعدات ملموسة، وموقفاً حقيقياً من الذين ادّعوا الوقوف معها لسنوات.

كفى مزايدة. كفى هروباً خلف الشعارات.

لقد تعب الناس من الوعود والبطولات الوهمية. البطولة الحقيقية اليوم أن تُرمَّم الأرواح قبل الجدران، وأن يُعاد الأمل قبل الأسمنت.

أما ما قاله العبار ليس قسوة، بل وعي. ليس تبريراً، بل مواجهة مع الواقع كما هو.

لأنه لا يمكن أن يُبنى المستقبل على نفاق الماضي، ولا أن يُعاد الإعمار على أنقاض الحقيقة!

من دمّر غزة.. عليه أن يعمّرها.

هكذا هي المعادلة باختصار!