رأت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى ترسيخ الهدوء في المنطقة عبر "خطة ترامب"، وإلى فرض وقف إطلاق النار، وأن هذا ليس نابعاً من الثقة، بل الإرهاق، تحت إشراف دقيق من واشنطن.
وقالت الصحيفة إن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، يواجه ضغوطاً بين مطالب الرئيس الأمريكي وشركائه اليمينيين المتشددين، بينما تحاول حماس اختبار حدود الاتفاق، مما يخلق واقعاً غامضاً مليئاً بالتوترات، وفجوة عميقة في الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي.
هدنة "إرهاق الأطراف"
وبحسب "معاريف"، فقد كان الأمر واضحاً منذ البداية، هذه الهدنة لم تولد من نية حسنة، بل من "إرهاق الأطراف"، لافتة إلى أنها غير مريحة لإسرائيل، التي تنظر إلى غزة كجرح لم يلتئم بعد؛ وهي بالتأكيد غير مريحة لحماس، التي يتوجب عليها أن تشرح لمؤيديها كيف يترجم "النصر التاريخي" إلى وقف لإطلاق النار ومحادثات مع وسطاء، والأهم من ذلك، أنها ليست هدنة ولدت من الثقة؛ بل فُرضت من الأعلى، بإشراف دقيق من واشنطن، وبمرافقة تركيا وقطر ومصر.
خطة ترامب.. سيناريو لا يصدقه اللاعبون
بالنسبة للأمريكيين، هذه محطة وسيطة في "خطة ترامب"، ووصفتها معاريف بـ"الفيلم الوثائقي الذي يقومون بإخراجه للشرق الأوسط"، لافتة إلى أن المرحلة الأولى تحققت، والآن يحافظون على السيناريو من الانهيار حتى التصوير التالي، لكن حتى هناك، أدركوا بالفعل أن اللاعبين الرئيسيين لا يصدقون الحبكة، فحماس تسعى جاهدة للبقاء، وتتحدى الخطوط العريضة للاتفاق واختبار مدى إمكانية التمدد، بينما تحاول إسرائيل الحفاظ على الإطار في مواجهة انتهاكاتها.
حرب أعصاب
وتشير الصحيفة إلى مثال بارز، والذي يتمثل في "حرب الأعصاب" حول إعادة جثث الرهائن، مضيفة أن حماس تتأخر وتختلق "صعوبات لوجستية"، وفي تل أبيب يعتبرون ذلك "كذب وإساءة"، وأن كل يوم تأخير يضيف ضغطاً أمنياً ودفاعياً، وكل ضغط من هذا القبيل يؤدي إلى تآكل أساس الاتفاق.
واشنطن تفرض وصاية صارمة
واعتبرت الصحيفة أن واشنطن تحاول ترسيخ الهدوء عن طريق زيارة نائب الرئيس جيه دي فانس، ثم وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وتكرار الرسالة بعدم السماح لنتانياهو أو لحماس بتفجير الوضع.
وأضافت معاريف أن هذا ليس وقف إطلاق نار إسرائيلي، بل مُخطط أمريكي مع من وصفتهم بـ"حراس البوابة"، لكن حتى الحراس يعملون دون بنية تحتية منظمة، فلا توجد آلية مراقبة فعالة على الأرض، ولا توجد قوة دولية منتشرة، ولا يوجد "كتيب إجراءات" للخطوط الحمراء، والنتيجة هي وضع منطقة رمادية، لا حرب ولا سلام، معرض للانزلاقات.
نتانياهو بين مطرقة ترامب وسندان اليمين
وعلى الجانب الإسرائيلي، فإن بنيامين نتانياهو محاصر بين ترامب وشركائه اليمينيين المتشددين، فرئيس الوزراء الإسرائيلي يطلب الاستقرار للمضي قدماً إلى المرحلة التالية؛ وشركاؤه يبحثون عن ثغرة للعودة إلى النار، وترامب سحب العصا بالفعل: "إذا استمرت حماس في التصرف بشكل سيء، فسنستخدم قوة ثقيلة لفرض الانضباط"، لكن بين السطور سُجل أيضاً تحذير لتل أبيب : "لا تحاولوا التملص من الإطار الذي وضعناه".
فجوة الثقة والاختبار الحقيقي القادم
فوق كل ذلك تحوم مسألة الثقة، فالمجتمع الإسرائيلي لا يزال يتعافى من 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ومن الشعور بأن العقد غير المكتوب بين الدولة ومواطنيها، بعدم التخلي عن الجنود والمواطنين في الأسر، قد انتُهك، ورغم أن عودة جميع الرهائن الأحياء ومعظم الجثث كانت لحظة راحة، إلا أنها لم تكن إصلاحاً، فالكثيرون يعتقدون أنه لولا الضغط الشديد من ترامب والوسطاء، لما حدث ذلك.
واختتم الصحيفة تحليلها بأن هذه الفجوة بين الجمهور والقيادة لم تُغلق بوقف إطلاق النار؛ بل حصلت على تأجيل فقط، وأن الاختبار الحقيقي "لا يزال أمامنا"، وهو التقدم إلى "المرحلة الثانية"، والتي تشمل نزع سلاح القطاع، وقوة دولية، وانسحابات كاملة، واصفة كل كل بند من هذه البنود بـ"اللغم السياسي والأمني".
واستطردت: "هنا ستُقاس قدرة واشنطن على إبقاء تل أبيب تحت السيطرة، وقدرة إسرائيل على الصمود والمناورة بين التبعية والاستقلال".