الإمارات.. حين يصبح التسامح مشروع دولة لا شعاراً.
هناك دولٌ تتحدث عن التسامح، ودولٌ تتغنى بالمبادئ، ثم هناك الإمارات كاستثناء.
وطنٌ اختار أن يصنع قيمه بالفعل قبل القول، وأن يضع بصمته في قلب الإنسان قبل أن يرفعها على جدران الخطابات.
الإمارات ليست دولةً تعيش داخل حدود جغرافية، بل يمكن اعتبارها حالة أخلاقية ممتدة في قلوب البشر حول العالم، لأنها آمنت أن العطاء ليس حدثاً، بل منهج حياة، وأن التعايش ليس واجهة دبلوماسية، بل وجه دولة تحترم الإنسان كما هو، مهما اختلف لونه أو دينه أو لغته أو موطنه.
تسامحها وسلامها يبدأ من الداخل، بين مآذن المساجد والكنائس وبيوت العبادة المختلفة، تعيش ملايين الجنسيات على أرض الإمارات بروحٍ واحدةٍ عنوانها التسامح وكرامة الإنسان والعيش بسلام.
ولأن التعايش لا يقوم بالصدفة، اختارت الإمارات أن تؤسس له بنية حقيقية:
سياسات تضمن الكرامة والأمان لكل مقيم، وبيئة تحترم الثقافة والاختلاف، ومشاريع إنسانية مستدامة لا تُفرّق بين يدٍ محتاجة وأخرى.
ومن هذه المشاريع التي تحمل بعداً إنسانيّاً عميقاً، أتى حي محمد بن راشد الوقفي، أحدث المشاريع التي سأشير لها اليوم كإحدى أعمق المبادرات وأكثرها دلالة. ليس بناءً عابراً، ولا حملة موسمية، بل مشروع وقفي شامل يموّل التعليم والطب والعمل الخيري حول العالم، ليصبح نموذجاً حضارياً يقول: الخير لا ينتهي عند حدود الدولة، بل يبدأ منها ويمتد خارجها.
وكذلك لا ننسى دور الإمارات في ترميم الأرواح قبل الأحجار، فالإمارات حين تتبنى مشروعاً إنسانياً، لا تذهب لتلوّح باسمها فقط، بل لتعيد حياة.
ولا زلت أرى جامع النوري في الموصل بفخرٍ كبيرٍ، وأذكره في حديثي ومقالاتي كثيراً، ذلك الأثر التاريخي الذي هدمته الحروب، فعادت الإمارات لترمّمه حجراً حجراً، وتعيد معه ذاكرة مدينة، وتنهض بروح ظنّ العالم أنها انطفأت. هذا ليس بناء جدران، بل إعادة كرامة لمكان، وحقاً لتاريخ أن يعود حياً، ومن حوله أيضاً رُمِّمت كنائس، ووُفِّرت وظائف لأهل المنطقة.
الترميم هنا ليس إنشائياً فقط، هو موقف تقول فيه الإمارات: نحن مع الإنسان.. ومع ذاكرته.. ومع حاضره ومستقبله.
وإذا التفتنا نحو غزة، فالحضور الإنساني قبل كل شيء، في الوقت الذي اكتفى فيه كثيرون بالخطابات والعناوين، كانت الإمارات هناك بالفعل: حملات الإغاثة التي لم تتوقف، ومستشفيات ميدانية، والجسور الجوية والبحرية والبرية، ودعم مباشر للمدنيين، وحضور طبي وإنساني حقيقي على الأرض، واستضافة أبناء غزة من الجرحى وأسر الشهداء في أرض الإمارات، الإمارات التي لم ترفع شعارات، ولا دخلت في مزادات إنسانية، قدّمت المساعدات بصمتٍ يليق بالصدق، وبحجمٍ يليق بمكانتها الإنسانية.
غزة الجريحة تعرف يد الإمارات التي وصلت، لا لتمنّ، بل لتطبّب.
وإن جئنا لذكر السودان والحروب التي لا تتوقف فيها، وعلى الرغم من المحاولات البائسة لرمي التهم الباطلة على الإمارات، إلا إنه في وقت الضيق تظهر المواقف.
وحين اشتعل الألم في السودان، لم تغلق الإمارات أبوابها، ولم تنتظر ضوء كاميرا، بل فتحت مخازن الإغاثة، وأنشأت جسور المساعدات، ورعت النازحين والجرحى، ودعمت الدول المجاورة لاستقبالهم، وكذلك ساعدت المقيمين في الإمارات.
لم يكن ذلك موقفاً عابراً، بل امتداداً لرؤية دولة ترى الإنسان أولاً، وترى واجبها تجاهه مهما ابتعدت المسافة.
فالعطاء فلسفة… والإمارات مدرسة، وهذه البلاد لم تُبنَ على النفط، بل بُنيت على الإيمان بأن الخير استثمار طويل المدى.
ولأنها لا تنتظر مقابلاً، تأتي ثقة العالم بها من عمق أفعالها، لا من حجم شعاراتها.
الإمارات لا تقول: "نحن دولة التسامح والسلام" فقط، بل تقول هذه مشاريعنا، وهذه أيادينا، وهذه قيمنا… شاهدوا الحقيقة بأعينكم!
عين الحقيقة لا عين من يحاول أن يزيف الحقائق التي بيّنتها المحاكم الدولية!
الإمارات لم تكن دائماً إلا عوناً وسنداً للسودان، السودان نفسها التي تحاول اليوم أن تشيطن الإمارات وتتّهمها كذباً وزوراً!
مع ذلك ستقف الإمارات دوماً في صف الضعيف ومن يحتاج إلى يدها!
وختاماً، هناك دول تُذكَر عند الأزمات، ودول تُذكَر لأنها كانت دائماً موجودة حتى قبل أن يبدأ الألم.
وهناك فارق بين من يصنع صورة، ومن يصنع إرثاً.