قال الكاتبان إيريك ألتِر ونيكولاي ملادينوف إن الهدنة التي رعتها الولايات المتحدة بين إسرائيل وحركة حماس تمثل أكثر من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، وقد تشكّل نقطة تحوّل في مسار العلاقات الإقليمية. 

وأوضح إيريك ألتر، عميد أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، ونيكولاي ملادينوف، المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، في مقالهما المشترك بمجلة "ناشونال إنترست"، أن نجاح هذه الهدنة قد يعيد الزخم إلى الاتفاق الإبراهيمي التي أُطلقت عام 2020، مؤكدَين أن السؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن لهذه الاتفاقيات أن تتحوّل من إنجاز دبلوماسي إلى أساس لسلام دائم؟ وأضاف الكاتبان في مقالهما "الاتفاق الإبراهيمي عند مفترق طرق: ليست النهاية بل بداية جديدة"، أن توقيع الإمارات، والبحرين اتفاقات التطبيع مع إسرائيل منذ 5 أعوام، وانضمام المغرب لاحقاً، كان بمنزلة كسرٍ للجمود السياسي الذي خيّم على المنطقة لعقود. وأوضح الكاتبان أن هذه الاتفاقات أوجدت مسارات تعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والأمن، مع التمسك في الوقت ذاته برؤية حلّ الدولتين.

حرب غزة

وتابع الكاتبان أن حرب غزة التي استمرت عامين مثّلت امتحاناً حقيقياً لقوة الاتفاق الإبراهيمي، مشيرين إلى أن الغضب الشعبي في العالم العربي والانقسامات داخل إسرائيل أثارا الشكوك حول قدرة هذه الاتفاقات على الصمود. وأوضح الكاتبان أن تصاعد الخطاب المتطرف في إسرائيل عمّق المخاوف من ضياع فرصة حل الدولتين، لكن رغم هذه التحديات، أثبتت قنوات الاتصال التي نشأت في 2020 أهميتها في تسهيل الوساطة وتنسيق المساعدات الإنسانية خلال الحرب.

وقال الكاتبان إن الهدنة الحالية "ليست نهاية الحرب، بل بداية فرصة كبيرة". وأضافا أن الولايات المتحدة ترى فيها تجسيداً لمنطق الاتفاق الإبراهيمي كإطار للاستقرار الإقليمي، وأن واشنطن تعمل على توسيع دائرة المشاركة لتشمل دولاً إسلامية أخرى.

منظومة إقليمية شاملة

وأكد الكاتبان أن المرحلة المقبلة تتطلب نقل الاتفاق الإبراهيمي من حدثٍ سياسي إلى منظومة تعاونٍ طويلة الأمد تشمل الاقتصاد والبنية التحتية والأمن. وأشارا إلى أن حجم التجارة بين الإمارات وإسرائيل تجاوز 3 مليارات دولار سنوياً، داعيَين إلى إنشاء منطقة تجارة حرة إقليمية وصناديق استثمار مشتركة لإعادة الإعمار ومشروعات للتكيّف المناخي، لتصبح المصالح الاقتصادية المشتركة "الضمان الحقيقي للسلام".

وأضاف الكاتبان أن نجاح الاتفاقات مستقبلاً يتوقف على إدماج الفلسطينيين في العملية، فدون مشاركتهم سيظل التطبيع ناقصاً. وأوضحا أن "اتفاقات من أجل المنطقة" يجب أن تتحوّل إلى "شراكات للمنطقة"، مشيرين إلى أن الحرب في غزة والفراغ السياسي الفلسطيني أظهرا الحاجة الملحّة إلى نهج أكثر شمولاً. وقال الكاتبان إن بعض الخطوات بدأت بالفعل، إذ تُعدّ دولة الإمارات أكبر مانح لغزة، بينما يعمل "تجمع الاتفاق الإبراهيمي" في الكونغرس الأمريكي على إعداد تشريعات لدعم إعادة الإعمار وفق رؤية إقليمية تقوم على الاندماج والتنمية.

دور إماراتي ضد تصعيد إسرائيل

وأوضح الكاتبان أن الدبلوماسية الإماراتية لعبت دوراً حاسماً في الحيلولة دون ضم إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية عام 2020، وأيضاً في عام 2025. وأشارا إلى أن الرئيس ترامب أعلن صراحة أن أي خطوات أحادية إسرائيلية لن تُقبل في إطار الهدنة الحالية، مؤكدَين أن أبوظبي استعادت دورها المؤثر في صياغة التوازن الإقليمي. وقال الكاتبان إن  الطريق لا يزال صعباً، فتنظيمات مثل حزب الله، والحوثيين، وفصائل أخرى قادرة على تقويض أي تقدم. كما أن الرأي العام في بعض العواصم العربية لا يزال يرفض التطبيع في غياب العدالة للفلسطينيين، فيما تهدد الخطابات الإسرائيلية اليمينية المتشددة، بنسف الأسس الأخلاقية للاتفاقيات. وقال الكاتبان: "إذا لم تملأ الدبلوماسية الفراغ، فسيملؤه المخرّبون".

ورغم كل ذلك، أكد الكاتبان أن الاتفاق الإبراهيمي أثبتت قدرته على البقاء في وجه الأزمات، مضيفين أن "الحوار لم يعد رهينة للتطرف"، وأن الانخراط البنّاء، مدعوماً بدبلوماسية أمريكية فاعلة، أثبت جدواه حتى في أوقات الحرب. وقال الكاتبان إن غياب الاتفاقيات كان سيؤدي إلى انهيارٍ كامل لتنسيق المساعدات الإنسانية، أما بوجودها فقد استمر "حد أدنى من الثقة والتواصل".

 إطار جديد للسلام والتنمية

وأوضح الكاتبان أن السنوات الخمس المقبلة يجب أن تركز على بناء آليات متعددة الأطراف لتنسيق المساعدات، وتطوير شبكات الطاقة المشتركة، وتعزيز القدرة على الاستجابة للأزمات. وأضاف الكاتبان أن ذلك يتطلب الانتقال من التطبيع الثنائي إلى التكامل الإقليمي، من خلال ربط المناطق الاقتصادية وتمويل مشاريع المناخ والتجارة الرقمية. وذكر الكاتبان إن "السلام يكون أكثر استدامة حين يولّد قيمة مشتركة"، مشيرَين إلى أن بناء نظام إنذار مبكر مشترك أو مشاريع علمية ومناخية إقليمية قد تبدو طموحة، لكنها تعبّر عن منطق واقعي بدأ يتحقق بالفعل.

واختتم الكاتبان مقالهما بقول إن الاتفاق الإبراهيمي "وُلدت من رحم البراغماتية، لكن استمراره يعتمد على الشمول". وأوضحا أن على الشعوب العربية والإسرائيلية أن تلمس فوائد ملموسة من هذا السلام، مثل التبادل الأكاديمي، والشراكات التجارية الصغيرة، ومشروعات المناخ والتنمية التي تُحسّن حياة الناس اليومية. وأضافا  أن الهدنة في غزة تشبه هذه الاتفاقيات نفسها، ليست النهاية، بل البداية. وقالت مجموعة الأزمات الدولية، إن الهدنة "ضرورية لكنها مجرد بداية"، وكذلك الاتفاق الإبراهيمي "ليس مثالياً ولا نهائياً، لكنه يمضي إلى الأمام" نحو شرق أوسط يتعلم أخيراً أن يصنع مستقبله بالتعاون لا بالمواجهة.