قالت الكاتبة أندريا ستريكر إن ملف الاختبارات النووية عاد إلى دائرة الجدل الدولي بعد اتهامات أميركية لكل من روسيا والصين بإجراء اختبارات نووية منخفضة القوة، في خرقٍ لما يعرف بـ مبدأ "انعدام العائد النووي" الذي تتبعه الدول النووية الكبرى منذ تسعينيات القرن الماضي.
وأضافت أندريا ستريكر، نائب مدير برنامج منع الانتشار والتأهب البيولوجي، والزميلة الباحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأميركية المتخصصة في الأمن القومي والسياسة الخارجية، في تحليل بـ"ناشيونال إنتريست" أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 أكتوبر (تشرين الأول) عن نية الولايات المتحدة إجراء اختبارات نووية جديدة أثار موجة من التساؤلات، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل اتفاق حظر التجارب النووية الشامل والتوازن الإستراتيجي العالمي.
سباق خفي
أوضحت الكاتبة أن ما تتهم به واشنطن كلاً من موسكو وبكين ليس تفجيرات نووية كاملة، وإنما تجارب تحت الأرض تولد تفاعلات نووية قصيرة جداً يصعب رصدها بأنظمة الرقابة العالمية. وتابعت أن هذه الاختبارات تهدف إلى تحديث الترسانة النووية دون تجاوز السقف المعلن عالمياً.
وقالت الكاتبة إن واشنطن تعتبر هذا السلوك انتهاكاً غير مباشر للمعايير الدولية، ما دفع ترامب إلى التصريح بأن الولايات المتحدة لن تكون الدولة الوحيدة التي تلتزم الصمت بينما يقوم المنافسون بتطوير قدراتهم.
رد موسكو
وأضافت الكاتبة أن روسيا تعاملت مع الإعلان بجدية، إذ أمر الرئيس فلاديمير بوتين في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) بإعداد خيارات لاستئناف الاختبارات النووية الروسية، في خطوة تزيد من حساسية المشهد الإستراتيجي. وذكرت الكاتبة أن وزير الطاقة الأمريكي كريستوفر رايت أكد أن الاختبارات الأمريكية لن تكون تفجيرات نووية، بل تجارب غير حرجة تهدف إلى اختبار المكونات التقنية للرؤوس النووية، وضمان سلامة الأسلحة القديمة والجديدة، وتطوير الأنظمة دون توليد انفجار نووي كامل. وقال رايت إن الولايات المتحدة تعتمد على الحوسبة الفائقة والمحاكاة لتعويض غياب التفجير الفعلي.
انقسام المؤسسة الأمريكية
وقالت الكاتبة إن داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية انقساماً واضحاً في الرؤى لمستقبل الاختبارات النووية منخفضة العائد. فهناك فريق يدعو إلى استئناف هذه الاختبارات بوصفها ضرورة لتعزيز الردع الإستراتيجي وضمان تفوق الترسانة النووية الأمريكية في مواجهة روسيا والصين. ويرى هذا الاتجاه أن التجارب المحدودة ستمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على تحديث أسلحتها النووية وتجاوز ما يعتبره تقادماً في بعض أنظمتها. وفي المقابل، يقف فريق آخر داخل المؤسسات الدفاعية والبحثية الأمريكية متمسكاً بمبدأ "انعدام العائد النووي" ورفض العودة إلى الاختبارات، حتى وإن كانت صغيرة وغير حرجة. ويؤكد هذا الاتجاه أن أي خرق لهذا المبدأ قد يؤدي إلى إطلاق سباق تسلح جديد على نطاق عالمي، ويدفع دولاً أخرى إلى تطوير أو توسيع برامجها النووية، الأمر الذي يهدد الاستقرار الدولي ويقوض منظومة الحد من الانتشار التي بُنيت عبر عقود من التدريج والتوافق.
وفي هذا السياق، ترى الكاتبة أن الجدل الدائر لا يهم فقط الجانب التقني أو العسكري، بل يرتبط بصورة أعمق بفلسفة الردع الأمريكية نفسها، وبالكيفية التي يجب أن تُدار بها موازين القوى النووية في عالم تتغير معادلاته بسرعة. وأضافت الكاتبة أن الصين ستكون المستفيد الأكبر من كسر مبدأ عدم العائد، لأنها تملك عدداً محدوداً من التجارب النووية السابقة مقارنةً بروسيا والولايات المتحدة.
كلفة سياسية واستراتيجية
وقالت الكاتبة إن العودة إلى التجارب النووية، ولو منخفضة القوة، تحمل مخاطر عدة ومنها: إطلاق سباق تسلح عالمي جديد، وإضعاف معاهدات الرقابة الدولية، وتشجيع دول أخرى على تطوير أسلحة نووية. وأكدت أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تعريف دقيق لطبيعة الاختبارات التي تعتزم القيام بها قبل أن تضع المنظومة العالمية للاستقرار على المحك. وختمت الكاتبة بالقول إن مستقبل النظام النووي العالمي مرهون بقدرة الولايات المتحدة على توضيح نواياها بدقة، وتقدير فوائد أي اختبار نووي محتمل مقابل مخاطره، لأن أي خطوة غير محسوبة قد تعيد العالم إلى حافة سباق تسلح لم يشهد مثيلاً منذ الحرب الباردة.