شهدت وزارة الدفاع الأمريكية خلال الأشهر التسعة الماضية سلسلة من قرارات الإقالة والإبعاد بحق ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً، اتخذها وزير الدفاع بيت هيغسيث، في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، وأثارت قلقاً واسعاً داخل أوساط المؤسسة العسكرية، بحسب تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز".

تلك القرارات نُفذت في معظم الأحيان دون تقديم تفسيرات واضحة، بل جاءت أيضاً خلافاً لنصائح القيادات العسكرية العليا التي خدمت مع هؤلاء الضباط في ساحات القتال، وفق ما قاله مسؤولون كبار في الجيش.

وبحسب ما أفاد به 20 مسؤولاً عسكرياً حاليين وسابقين، فإن الطابع غير المتوقع لقرارات هيغسيث خلق مناخاً من القلق وانعدام الثقة داخل القيادة العسكرية، ودفع كبار الضباط إلى الاصطفاف على اتجاهات متعارضة، بل وفي بعض الحالات إلى المواجهة فيما بينهم.

إلغاء وتأجيل ترقيات

ومن بين الإجراءات اللافتة، قيام هيغسيث بتأجيل أو إلغاء ترقيات أربعة ضباط كبار بسبب عملهم السابق إلى جانب الجنرال مارك ميلي، الرئيس الأسبق لهيئة الأركان المشتركة، الذي يكنّ له الرئيس ترامب عداءً ويعتبره غير وفيّ. ومن بين هؤلاء اللواء جيمس باتريك وورك، الذي كان مرشحاً لتولي منصب نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية المشرفة على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط.

الجنرال وورك، المعروف بكونه أحد أكثر ضباط الجيش الأمريكي خبرة في القتال، لعب دوراً محورياً في قيادة القوات الأمريكية والعراقية لاستعادة الموصل من تنظيم "داعش" خلال الإدارة الأولى لترامب. لكن عمله السابق إلى جانب ميلي عام 2018 جعله على ما يبدو محل ريبة لدى هيغسيث. وعلى الرغم من دعم القيادة العليا للجيش له، فإن مستقبل وورك لا يزال غامضاً. 

كما طالت الإقالات ضباطاً استهدفهم ناشطون يمينيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو أولئك الذين أعربوا في الماضي عن تأييدهم لبرامج التنوع والمساواة والشمول. ومن بين هؤلاء، الأدميرال ميلتون ساندرز، قائد قوات البحرية الخاصة (Navy SEALs)، الذي كان قد دعم إدماج المدربات النساء في برامج تدريب القوات الخاصة، فجرى عزله في أغسطس (آب).

لا توضيحات كافية

ولم تتوقف الإقالات عند هذا الحد، بل شملت أيضاً ضباطاً قدموا تقييمات ميدانية صريحة. إذ فقد الأدميرال ألفن هولسي، قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، منصبه بعد أن أثار تساؤلات حول غارات بحرية أدت إلى مقتل أشخاص في البحر الكاريبي، حيث تقول إدارة ترامب إنهم كانوا يهربون المخدرات، من دون تقديم أدلة مفصلة.

أما الفريق جيفري كروز، الذي ترأس وكالة الاستخبارات الدفاعية لـ35 عاماً، فقد أقيل بعدما شككت وكالته في صحة إعلان الرئيس ترامب بأن الضربات الجوية الأمريكية في يونيو (حزيران) "دمرت تماماً" البرنامج النووي الإيراني.

في العلن، يؤكد هيغسيث على "الوحدة" باعتبارها عنصر قوة أساسي للمؤسسة العسكرية، قائلاً للجنود خلال جولة في آسيا: "قوتكم تكمن في الهدف المشترك، وفي وحدة المهمة". لكن مسؤولين عسكريين يرون أن ممارساته تقوّض هذا المبدأ.

وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل، في بيان، إن "الجيش لم يكن أكثر وحدة من أي وقت مضى"، مشيداً بجهود هيغسِث في "إلغاء أجندة التنوع والمساواة التي وضعتها إدارة بايدن" و"إعادة إحياء روح المقاتل".

قلق في البنتاغون

غير أن خبراء أمنيين ومسؤولين في الكونغرس عبّروا عن قلقهم. فقد وصفت السيناتور الديمقراطية إليسا سلوتكين ما يجري بأنه "حملة تطهير"، مضيفة: "لقد رأينا مثل هذه الممارسات في الصين والعراق، لا في الديمقراطيات المستقرة".

وتفاقمت المخاوف بعد خطاب ألقاه هيغسِث في سبتمبر (أيلول) أمام مئات الضباط، سخر فيه بصراحة من جنرالات بارزين متقاعدين، قائلاً: "البوصلة الجديدة واضحة: إلى الخارج مع تشاريللي وماكينزي وميلي". وهو ما فُهم على أنه رسالة بأن الولاء السياسي بات عاملاً أساسياً في الترقي والحفاظ على المناصب.

قادة عسكريون سابقون حذّروا من خطورة إدخال الاعتبارات السياسية في صلب الجيش. وقال الجنرال ستانلي مكريستال، الذي قاد قوات العمليات الخاصة في العراق وأفغانستان للصحيفة: "الحياد السياسي للجيش الأمريكي كان دائماً ضمانة لاستقراره. وما نشهده اليوم يعرّض هذه القاعدة للخطر. وإذا فُقدت الثقة العامة في حيادية الجيش، فسيكون من الصعب استعادتها".

كما أُجبر عدد من أبرز قادة الجيش ممن خاضوا أكبر الحروب الأمريكية في العقدين الأخيرين على الاستقالة أو الإحالة للتقاعد، من بينهم الفريق ج.ب. ماكغي، الذي قاد عمليات واستراتيجيات الحرب في هيئة الأركان المشتركة، والفريق دوغلاس سيمز، الذي كان مرشحاً لقيادة القيادة البرية للقوات الأمريكية.

حملات يمينية

وفي بعض الحالات، جاءت الإقالات بناءً على حملات إعلامية يمينية. فقد سُحب ترشيح الأدميرال مايكل دونيلي لقيادة الأسطول السابع بعد إعادة تداول خبر قديم يقول إنه سمح بأداء استعراضي بملابس نسائية على متن حاملة الطائرات "رونالد ريغان"، رغم أن ما جرى في الواقع لم يكن سوى مشاركة بحار واحد في عرض مواهب، بينما كان القائد خارج البلاد.

من جهة أخرى، نجا قادة آخرون من هذه الحملة بفضل دعم وحدات قتالية مؤثرة، مثل الفريق جوناثان براغا، الذي تولى قيادة قوات العمليات الخاصة المشتركة (المعروفة بوحدات دلتا وسييل تيم 6). 

وفي حفل وداعه الأخير من الجيش، قال الفريق دوغلاس سيمز كلمات مؤثرة تطرقت إلى القيم التي تحافظ على تماسك المؤسسة العسكرية قائلاً: "كل ما نفعله يتعلق بالإنسان. قد لا نكون المؤسسة الوحيدة التي تؤمن بذلك، لكن حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا يجعل الأمر مختلفاً".

وإلى جانبه كان يجلس الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الحالي، وإلى جانبه سلفه الجنرال تشارلز براون، الذي أقاله هيغسيث في فبراير (شباط).