تطرقنا في مقال سابق من هذا المنبر الإعلامي الرفيع، إلى حالة "النوستالجيا" التي يدور في فلكها من عاش لفترة في جزيرة أبوظبي، والسمات الشخصية التي قد تفرض على البعض ارتباطاً متيناً بالأصدقاء والأماكن بكل تفاصيلها. قد يراها البعض عيباً، فيما يعتبرها آخرون ميزة ونعمة من رب الكون.
وأجزم أنني لم أكن يوماً استثناء من معادلات النوستالجيا، وما زلت متعلقاً بالأماكن التي سمح لي القدر بأن يكون لي بها إقامة مؤقتة بحكم العمل.
وفي مقدمة الذكريات التي تحتل النصيب الأكبر، تأتي زيارة الاستاد والمناسبات الرياضية، وأجواء التشجيع والاحتفال والمناكفات مع المنافسين.

وفي حين يُفترض أن تسود الاعتبارات المهنية على معظم الأحاديث، وربما تغليب الرمادي على ألوان أكثر وضوحاً، إلا أن الاصطفاف وراء المجاهرين والمتفاخرين بالانتماء الكروي يظل ميزة، ويعكس انفتاح المجتمعات والعقول، على اعتبار أن كرة القدم أصبحت من المحركات الرئيسية للتنمية، ومن أنجح أدوات التأثير والجذب، ومن الأنشطة البشرية الفاعلة.
الشغف باللون الأحمر والأهلي العظيم له مكانة كبيرة في القلب، ما يجعله ميزة تعزز محبة البلد المضيف في الوجدان، وما صادفته خلال عملي في تونس الخضراء - التي انتهت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 - من انتصارات للأهلي على المستوى القاري، جعل الذكريات راسخة ومتشابكة كخيوط "العنكبوت في القلب".
هناك تواريخ تحمل في طياتها ذكريات نحتفظ بها ونسترجعها بشغف، مثل 17 نوفمبر، ذكرى استعادة مسار بطولة الأندية أبطال الدوري (الأميرة الأفريقية كما يطلق عليها في الأوساط الإعلامية)، والتتويج باللقب السابع في 2012 بعد غياب فترة ليست طويلة.
ويستكمل شهر نوفمبر ذكريات تلامس وجدان جمهور الأهلي، مع ألقاب قارية وضعت النادي العريق في مقدمة التصنيف بعيداً عن أقرب المنافسين، والحفاظ على تلك المكانة المرموقة يعود بشكل أساسي إلى طموحات الجمهور والمحبين بحصد الألقاب والبطولات.
وبما أن أمس له ذكرياته في استاد رادس، يظل نوفمبر شهر الحكايات الأفريقية التي يتذكرها جمهور الأهلي، وسيتذكرها إلى أن تقوم الساعة، أبرزها 27 نوفمبر 2020 (القاضية أمام الغريم التقليدي لحين إشعار آخر، وفقاً لتحولات موازين القوى والاستثمار الرياضي).

ونظراً لعدم تواجدي في أبوظبي، فإن النوستالجيا حاضرة في سياق ما أكتب. ومن الأحاديث العالقة في ذهني ما ذكره لي الصديق د. أحمد الباز، أن للدول ما يسمى بالهوية الترويجية، تتشكل من مكونات تراثية وفنية وفكرية، وتشمل صور الدبلوماسية الثقافية، وأهمها دبلوماسية الرياضة. وكان لمصر حضور متميز في الماضي، يسود المشهد الثقافي في محيطها الجغرافي، عبر أدوات من القوى الناعمة مثل أم كلثوم وحليم وعادل إمام ونجيب محفوظ، والامتدادات الفنية والفكرية عبر أجيال، لا يسعها مقال يشوبه شبه التحيز المستنير لفانلة حرير حمراء.
ويُعد الأهلي بالإنجازات القارية والدولية أحد أبرز مكونات القوة الناعمة لمصر، ويعزز صورتها أمام العالم. وقد عايشت مشاهد القوة الناعمة لمصر حين كنت أعمل في أبوظبي، إذ يتحول السكون الذي يميز أحياء العاصمة، إلى أجواء كروية وأعلام الجمهور الشغوف بتشجيع فريقه ومكايدة المنافسين.
وبما أن أبوظبي منصة مثالية لاستضافة المناسبات الرياضية المتنوعة والجاذبة للحضور الجماهيري، استضافت مجدداً بطولة السوبر المصري في 9 نوفمبر 2025، والتي حصدها النادي الأهلي للمرة الخامسة على التوالي، ليضيف إلى الرصيد الذي يميزه كمؤسسة رياضية لها حضورها العربي والأفريقي وسمعتها الدولية، ويُساهم في إضفاء البهجة وجذب إعجاب ملايين المتابعين.
ولعل عدة أسباب تُعزز المكانة المتميزة للأهلي، وإن كان في مقدمتها النجاحات الإدارية التي جعلت من اسمه علامة تجارية "براند"، تستحوذ على اهتمام وشغف الملايين من المتابعين، وقد ضاعفت البطولات والإنجازات في مختلف الألعاب من القيمة السوقية وشعبية النادي الأهلي، الذي يعد فخراً وطنياً.

لم يكن إضافة الأهلي بطولة جديدة إلى سجل الألقاب المحلية هو الحدث، فهذا ما عهدناه بنادينا المفضل، وإنما ما أُضفي على هذه المناسبة الكروية قيمة مضاعفة، كونها تتصل بالأجواء التي عاشتها مصر بمناسبة افتتاح المتحف الكبير، ونجاح القاهرة في جذب الاهتمام العالمي والقطاعات المؤثرة في الرأي العام الدولي لمتابعة حفل الافتتاح الذي جسد اعتزاز أبناء الوطن بحضارة راسخة وممتدة.
وكما يرتبط الجزء بالكل، والماضي بالحاضر، والموسم بالحصاد، تتكامل صورة الأهلي في المنصات الرياضية والإعلامية مع مظاهر القوة الناعمة المتجددة لمصر، والتي لا تنضب كونها مرتبطة بنهر النيل. والأهلي، نادي الشعب، يمنحه موقعه في جزيرة النيل عذوبة خاصة في الوطن وخارجه، وأصبح مكوناً أساسياً للقوة الناعمة لأرض الحضارات مصر.