حين أعلنت حكومة دولة الإمارات وثيقة استراتيجية الهوية الوطنية إرث وأمانة، بدا الأمر خطوة تتجاوز حدود التعريفات العامة، فالدولة تضع إطاراً عملياً لملف ظلت ملامحه موزعة بين التعليم والإعلام والممارسات الاجتماعية. هذه الوثيقة لا تقدّم الهوية بوصفها شعاراً بل مشروعاً يتطلّب تنظيماً ومتابعة وتطويراً مستمراً، وهو ما تحتاج إليه المجتمعات التي تتحرك بسرعة وتحتضن ثقافات متعددة مثل مجتمعنا.

المهم في الوثيقة أنها تضع تعريفاً واضحاً للهوية الإماراتية، تعريفاً يسهل بناؤه وقياس أثره، فهي تربط بين روح الاتحاد والانتماء الوطني واللغة العربية واللهجة الإماراتية والقيم الأخلاقية والعلاقة بالأرض والتاريخ. ومن يقرأ التعريف يلاحظ أنه لا يكتفي بالإشارة إلى الماضي، بل يقدّم عناصر قابلة للتطبيق داخل المدرسة والمؤسسة والحي والحياة اليومية.

وتفصل الوثيقة بين الركائز والقيم. الركائز تمثل القاعدة الصلبة التي تستند إليها الهوية مثل الأسرة والتراث واللغة والاتحاد والذاكرة المشتركة. أما القيم فهي السلوكيات التي تُظهر هذه الهوية في الواقع مثل الاحترام والمسؤولية والتلاحم والطموح والعطاء. وهذه النقطة مهمة، لأن الهوية لا تتحقق بالحديث عنها بل بممارستها، ولا قيمة لأي تعريف إذا لم ينعكس على تصرفات الفرد وطريقة تعامله مع محيطه.

ويحتل التعليم موقعاً مركزياً في تنفيذ الاستراتيجية، فالمناهج ليست مجرد كتب، بل قناة حقيقية لبناء الوعي. ومن خلال الوثيقة يمكن فهم أن المطلوب ليس إضافة دروس نظرية، بل صناعة تجربة تعليمية تربط الطالب بلغته وتاريخه وقيمه، وتجعله يفهم هويته دون أن يتقوقع داخلها أو ينفصل عن العالم. وهذا ما تؤكده الدراسات المحلية التي ترى أن الهوية تنمو حين يعيش الفرد محتواها، لا حين يحفظه.

ويظهر البعد الثقافي بوضوح أيضاً، فالهوية لا تنفصل عن المتاحف والمراكز الثقافية والفنون والبرامج التي تحفظ التراث، لكنها في هذه الوثيقة تتجاوز فكرة الحفظ إلى فكرة التفعيل. فالعادات الشعبية والحرف القديمة ليست مجرد جزء من الذاكرة، بل يمكن أن تصبح جزءاً من الحياة الحديثة إذا أعيد تقديمها بشكل يناسب الزمن.

أما المقيمون، فالوثيقة لا تتعامل معهم كعنصر خارجي، بل كجزء من النسيج الاجتماعي الذي يتطلب فهماً متبادلاً. وهذا طرح واقعي، لأن الهوية لا يمكن أن تُبنى في مجتمع متعدد الجنسيات إذا بقيت محصورة في فئة دون أخرى. والهدف ليس أن يتخلى أحد عن خصوصيته، بل أن يعرف الجميع السياق الذي يعيشون فيه ويشاركوا في احترامه.

وتمنح الوثيقة مساحة مهمة للإعلام، ليس لدوره في الترويج، بل في تشكيل الخيال العام حول المجتمع. ومن الواضح أن هناك حاجة إلى محتوى وطني يواكب الواقع، ويبتعد عن الصورة النمطية التي تكررت في بعض الخطابات. الإعلام الذي يستطيع دعم الهوية هو الإعلام الذي يقدم سرديات دقيقة ومقنعة، ويربط الجيل الجديد بقيمه دون مبالغة أو تهويل.

وتكشف الوثيقة عن رؤية مستقبلية ترى الهوية ركيزة للاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل عالم مفتوح ومليء بالتغيرات المتسارعة والمتباينة. وعندما تضع الدولة هذا الملف في إطار استراتيجي فهي تقول إن الهوية ليست حصناً ضد الآخر، بل إطاراً يضمن التوازن داخل مجتمع واسع التكوين.

ويأتي عنوان "إرث وأمانة" ليختصر الفكرة بأكملها، فالإرث يشير إلى ما وصل إلينا من قيم وعادات ولغة وروابط اجتماعية، والأمانة هي مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث وتطويره. والوثيقة هنا لا تطلب العودة إلى الماضي، بل الحفاظ على ما يحمل معنى ويستطيع دعم المستقبل.

ومجمل القول أن هذه الاستراتيجية ليست قائمة مصطلحات، بل رؤية تحاول تحويل الهوية من مفهوم إلى ممارسة، ومن ذاكرة إلى مشروع، ومن خطاب إلى منهج عمل. والنجاح في تطبيقها يتوقف على تعاون المجتمع كله، مواطنين ومقيمين، لأن الهوية في النهاية ليست ملكاً لجهة واحدة، بل نتيجة مشتركة لمسيرة تعيشها الدولة بكل أطيافها.