قال الباحث إلدر ماميدوف إن إعلان كازاخستان، خلال قمة الولايات المتحدة وآسيا الوسطى الأسبوع الماضي، انضمامها إلى الاتفاق الإبراهيمي شكّل مفاجأة سياسية، لا لأنها أول دولة من آسيا الوسطى، تنضم إليه، بل لأنها لا تسعى فعلياً للانخراط في تحالفات الشرق الأوسط.
وأوضح الكاتب إلدر ماميدوف، الزميل غير المقيم في معهد كوينسي، وعضو مجلس بوغواش للعلوم والشؤون العالمية الحائز جائزة نوبل للسلام، في مقال بـ "ذاناشونال إنترست" بعنوان " لماذا انضمت كازاخستان إلى الاتفاق الإبراهيمي؟" أن التحليلات الغربية التي وصفت الخطوة بتوسّع لتحالف معتدل موالٍ لأمريكا غير دقيقة، لأن الدافع الحقيقي لآستانا، أبعد ما يكون عن الصراع العربي الإسرائيلي، بل هو أساساً لفكّ ارتباط تدريجي عن روسيا، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وأضاف ماميدوف أن هذا القرار يمثّل مكسباً دبلوماسياً للإدارة الأمريكية الحالية، لكنه في الوقت ذاته يعكس براغماتية سياسية دقيقة من كازاخستان، التي تحاول الحفاظ على استقلال قرارها في منطقة تهيمن عليها موسكو وبكين.
وأوضح الكاتب أن كثيراً من التحليلات اعتبرت انضمام كازاخستان بداية لتحالف جديد يضم دولاً مسلمة معتدلة تدعم الاستقرار والتسامح. وعلّق قائلاً إن هذا التفسير يتجاهل جوهر الموضوع تماماً، لأن آستانا لا تملك الوزن السياسي أو الدبلوماسي الذي يجعلها لاعباً مؤثراً في الشرق الأوسط. وأضاف الكاتب أن الرئيس الكازاخي قاسم-جومارت توكايف نفسه اعترف في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" بأنه لا يتوقع نتائج عملية من الاتفاقات، واصفاً انضمام بلاده بـ "إسهام متواضع".
إسرائيل تكسب
وأشار ماميدوف إلى أن الخطوة لها فائدة سياسية لإسرائيل، إذ تُظهر أن الاتفاق الإبراهيمي، لا يزال عنصر جذب رغم الحرب في غزة. وقال الكاتب: "انضمام عضو جديد، حتى لو كان رمزياً، دليل على أن لا دولة انسحبت من الاتفاق، وأن الدول لا تزال ترى فائدة في الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل." وأوضح الكاتب أن تفسير الخطوة بأنها جزء من "تحالف ضد إيران" لا يصمد أمام الواقع. فكازاخستان لا تربطها حدود مع إيران، وحجم تبادلها التجاري معها محدود، كما أن التهديد الأمني الرئيس لها يأتي من التطرف السلفي، وتأثير طالبان, وليس من طهران.
لا مواجهة ضد تركيا
وتابع الكاتب أن القول إن إسرائيل تريد جذب كازاخستان بعيداً عن تركيا "مبالغة كبيرة"، إذ أن العلاقات بين أنقرة ودول آسيا الوسطى، تستند إلى روابط لغوية، وتاريخية، وثقافية يصعب فكّها. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، تسارعت سياسة "تعددية التوازنات" التي تنتهجها دول آسيا الوسطى، وبدأت تسعى إلى توسيع خياراتها. وقال الكاتب إن قرار الانضمام إلى الاتفاق الإبراهيمي خطوة منخفضة الكلفة وعالية العائد، تمنح كازاخستان نقاطاً دبلوماسية لدى واشنطن دون استفزاز مباشر لروسيا، أو الصين. فالاتفاقات لا تفرض التزامات أمنية، وكازاخستان لها علاقات مع إسرائيل منذ 1992، ولا علاقة للقرار بالأحداث في غزة أو الضفة الغربية.
رسالة إلى موسكو
وأضاف ماميدوف أن انضمام آستانا "إشارة محسوبة" لموسكو بأن كازاخستان ليست تابعة، وأنها تسعى لتوسيع خياراتها الاستراتيجية. ورغم انزعاج الكرملين، فإن محللين روساً مثل سيرغي ماركيدونوف، دعوا إلى قبول الواقع الجدي، ومحاولة التكيف معه، بدل مقاومته دون جدوى.
وأوضح الكاتب أن القمة الأخيرة بين واشنطن ودول آسيا الوسطى اتسمت بسياسة جديدة تعتمد على تجنب إجبار الدول على اختيار طرف ضد طرف، أو استخدام لغة "المواعظ الديمقراطية" التي كانت تُضعف العلاقات سابقاً. وقال ماميدوف إن هذا النهج منح آستانا وغيرها مساحة للمناورة دون خطر الصدام مع موسكو، ما شجع كازاخستان على اتخاذ خطوات جريئة مثل الانضمام إلى الاتفاق. واختتم الكاتب مقاله مؤكداً أن انضمام كازاخستان إلى الاتفاق الإبراهيمي لا علاقة له بإيران، ولا بتركيا، ولا بالصراع العربي الإسرائيلي. وأضاف "هذه خطوة ذكية في لعبة كبرى لحماية سيادة كازاخستان وتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة دون مواجهة مفتوحة مع روسيا."
وأكد الكاتب أن الدرس الأهم لواشنطن هو أن الدبلوماسية الأكثر فعالية ليست التي تفرض خيارات، بل التي تخلق حوافز تجعل الدول تتحرك بمبادرة ذاتية نحو العلاقات الأمريكية.