في خطوة محملة بدلالات عميقة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال عشاء رسمي فاخر في البيت الأبيض، تصنيف المملكة العربية السعودية كـ"حليف رئيسي من خارج الناتو" (Major Non-NATO Ally)، لتنضم إلى قائمة تضم الآن 20 دولة، بما فيها إسرائيل ومصر واليابان وكوريا الجنوبية. هذا الإعلان، الذي جاء مصحوباً بتوقيع "اتفاقية دفاع إستراتيجي تاريخية" مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ليس مجرد لقب بروتوكولي، بل هو تحول جوهري في طبيعة الشراكة الأمريكية – السعودية، التي تمتد لأكثر من ثمانية عقود. إنه يعكس رغبة واضحة من إدارة ترامب الثانية في إعادة هندسة الأمن الإقليمي، بعيداً عن الالتزامات الثقيلة للناتو، ولكن مع تعزيز الردع المشترك ضد التهديدات المتنامية.
لنكن صرحاء، هذا التصنيف ليس معاهدة دفاع مشترك بالمعنى القانوني الكامل، كما في المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تجعل الهجوم على عضو واحد هجوماً على الجميع. ومع ذلك، فإنه يمنح السعودية امتيازات عملية هائلة ومفيدة، مثل تسهيل شراء الأسلحة المتطورة - بما فيها طائرات إف - 35 الشبحية، التي وافق ترامب على بيعها للرياض دون تخفيض قدراتها للحفاظ على التفوق الإسرائيلي- ونقل التكنولوجيا العسكرية، وتخزين معدات أمريكية على الأراضي السعودية، وأولوية في الفائض العسكري، وتمويل ميسر للبحث المشترك.
أما الاتفاقية الدفاعية الجديدة فتذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: تعتبر أي تهديد لأمن السعودية تهديداً للمصالح الأمريكية، وتؤسس لردع مشترك، وتكامل قدرات، وربما قواعد مشتركة وتبادل استخباراتي موسع. هذا، في رأيي، هو أقرب ما يكون إلى ضمان دفاعي سياسي، يعكس فهم ترامب للواقعية الجيوسياسية: الولايات المتحدة تريد شركاء أقوياء يتحملون جزءاً من العبء، لا تُبّعاً يعتمدون عليها كلياً.
ولكن، لماذا الآن؟ السياق الإقليمي يفرض نفسه بقوة. الشرق الأوسط يغلي: هجمات الحوثيين المتكررة على البنية التحتية السعودية وممرات البحر الأحمر، تصاعد النفوذ الإيراني عبر وكلائه، والتوترات المستمرة في غزة واليمن ولبنان. في الوقت نفسه تتراجع الولايات المتحدة تدريجياً عن الالتزامات العسكرية المباشرة في المنطقة، كما رأينا في انسحابها من أفغانستان وسوريا جزئياً.
هنا تأتي السعودية كركيزة أمنية مثالية: قوة إقليمية غنية، قادرة على تمويل دفاعها بنفسها، ومستعدة لاستثمار تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، كما أعلن الأمير محمد بن سلمان رفع الالتزامات الاستثمارية من 600 مليار إلى تريليون. هذا التصنيف يأتي أيضاً في ظل التنافس الدولي الشديد مع الصين وروسيا، اللتين تعززان نفوذهما في الخليج عبر صفقات طاقة وتكنولوجيا.
واشنطن، بقيادة ترامب، تدرك أن فقدان السعودية ليس خياراً، فهي ليست مجرد مصدر نفط، بل شريك في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والمعادن الحرجة.
من منظور تاريخي، هذا التحول منطقي تماماً. منذ لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت على متن "كوينسي" عام 1945، بنيت العلاقة على معادلة "النفط مقابل الأمن". لكن العالم تغير: الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج نفط، والسعودية أطلقت رؤية 2030 لتنويع اقتصادها. اليوم، السعودية ليست تابعاً، بل فاعل، تستثمر في أمريكا، تشارك في إعادة تشكيل النظام العربي، وتطالب بدور أكبر في ملفات مثل فلسطين والسودان. تصنيفها كحليف رئيسي يعترف بهذا الواقع، ويضعها في مصاف إسرائيل ومصر، وهو ما يعزز موقعها كقائدة للعالم الإسلامي السني.
هل هذا تمهيد لـ"ناتو عربي"؟ ربما. الحديث عن تحالف دفاعي إقليمي يضم السعودية والإمارات ومصر والأردن، ومدعوم أمريكياً، ليس جديداً، هذا التصنيف يمكن أن يكون الخطوة الأولى نحو مظلة أمنية تواجه إيران والإرهاب، مع ضمان أمن الممرات البحرية. لكنه يواجه تحديات: مخاوف إسرائيل من فقدان تفوقها العسكري رغم تطمينات ترامب، انتقادات حقوقية أمريكية تجاهلها ترامب مرة أخرى، وصعوبة توحيد الدول العربية سياسياً.
في الخلاصة، هذه الخطوة ليست رمزية فحسب، بل إعادة بناء وهندسة حقيقية للأمن الإقليمي. ترامب، ببراغماتيته المعهودة، يبني تحالفات قياساً على المصالح المشتركة لا العواطف، ويمنح السعودية أدوات لتكون أقوى، ما يخدم الاستقرار العالمي. السعودية، بدورها، تثبت أنها قوة صاعدة لا غنى عنها. في عالم متعدد الأقطاب، هذه الشراكة المعززة قد تكون الرد الأمثل على الفوضى الإقليمية، وخطوة جريئة نحو سلام قائم على القوة لا الوهم.