بعد عقود من الصراع، يأمل سكان بلدة رميش المسيحية في جنوب لبنان الذي عصفت به الحرب أن تجلب زيارة البابا ليون الرابع عشر، بابا الفاتيكان، إلى بلادهم السلام والقوة للصمود مع تضاؤل عدد السكان المسيحيين في المنطقة.
توجد رميش على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل، وهي موطن للكاثوليك منذ أكثر من 300 عام. واليوم، تُحيط بها من الجنوب مواقع عسكرية إسرائيلية، ومن الشمال قرى ذات أغلبية مسلمة قصفتها الغارات الإسرائيلية في حرب العام الماضي الدامية.
في صباح أحد الأيام الماضية، أنشد نحو 30 مسيحياً ترانيم، تردد صداها بين الجدران الحجرية لكنيسة مار جرجس، وهي رعية مارونية كاثوليكية تأسست في 1740، ولا تزال تخدم سكان رميش، الستة آلاف. وقال القس نجيب العميل إن زيارة البابا ليون إلى البلد الذي يضم أكبر نسبة مسيحيين في المنطقة يمكن أن تشجع الكاثوليك في الشرق الأوسط على التمسك بجذورهم والبقاء. وأضاف العميل "أول زيارة قررها خلال أسقفيته أنه ييجي على لبنان، هذا دليل على أنه هو مهتم جداً بلبنان، خاصة بالمسيحيين اللي بلبنان، لأنه إذا مسيحيين لبنان راحوا، ما بيبقى فيه مسيحيين بالشرق".
ويتناقص عدد المسيحيين في الشرق الأوسط، مهد المسيحية، إذ كانوا يشكلون نحو 20% من سكان المنطقة منذ قرن، أما الآن فنسبتهم تبلغ 5% فقط، وهي في انخفاض. ومع ذلك، يُعتقد أن المسيحيين يمثلون نحو ثلث سكان لبنان، وعددهم 5 ملايين نسمة. ولم يجر لبنان إحصاء رسمياً للسكان، منذ ما يقرب من قرن بسبب الحساسيات الدينية والسياسية.
على خطى المسيح
نجت رميش من الحرب في لبنان عندما أطلقت جماعة حزب الله صواريخ على القوات الإسرائيلية بعد يوم واحد من اندلاع الحرب في غزة، بعد هجوم حماس، على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتسببت صواريخ حزب الله في دمار واسع في بلدات شمال إسرائيل، وحوّل القصف الإسرائيلي العنيف على جنوب لبنان معظم البلدات الشيعية هناك إلى أنقاض، ودفع السكان إلى النزوح.
وقال العميل إن سكان رميش طلبوا من مقاتلي حزب الله، تجنب إطلاق صواريخ من البلدة حتى لا تستهدفها إسرائيل. وفي حين فر كثيرون من رميش إلى العاصمة بيروت، بقي المئات خوفاً من سيطرة مسلحين عليها إذا غادروها.
لن تشمل زيارة ليون ، التي تستغرق 3 أيام، جنوب لبنان. ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل مواقع على قمم التلال هناك، ويقصف مواقع يقول إنها مستودعات أسلحة، لجماعة حزب الله. وأمس الأحد، قُتل أكبر مسؤول عسكري في الجماعة في غارة على مشارف بيروت. ولم يصدر أي تعليق من الفاتيكان عن تعديل زيارة البابا. وأفادت الرئاسة اللبنانية، بأن لا تعديلات حتى اليوم الاثنين.
وقال حنا العميل رئيس بلدية رميش: "بنتأمل إنه تكون زيارة البابا هي رسالة لوضع حد لهاي الحروب". وأضاف أن نحو 200 من سكان رميش سيحضرون قداس البابا الرئيسي في بيروت. وتابع قائلاً: "نحنا أكيد كنا بنحب، وبنتمنى إنه هو يجي لعنا الجنوب، خاصة إنه هاي الأرض هادي مرق فيها السيد المسيح يعني هيدي كمان يكون البابا إجى على خطى المسيح".
ووفق إنجيل يوحنا، يعتقد أن المعجزة الأولى للمسيح، أي تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، كانت فيما يطلق عليها اليوم بلدة قانا، بجنوب لبنان حيث قتلت الغارات الإسرائيلية في 1996 و2006 العشرات.
بعد الصبر، بيجي الفرج
وسط الصراع، تكافح رميش لاستعادة ملامح الحياة الطبيعية. وحسب رئيس البلدية، كانت مدارس رميش ذات يوم تعج بمئات الطلاب من القرى الشيعية المجاورة. لكن مع دمار تلك القرى، لم تعد سوى عائلات قليلة لمنازلها وانخفضت الإيرادات من الرسوم الدراسية في مدارس البلدة. ويحظر الجيش الإسرائيلي دخول مساحات واسعة من الأراضي التي يملكها سكان رميش، حيث تنتشر بساتين الزيتون، وحقول التبغ، ما يعني أن على المزارعين الحصول على تصاريح من الجيش اللبناني، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة للذهاب إلى هناك، ما منع المحاصيل هناك منذ 3 أعوام.
ونحو الشمال، في بلدة دردغيا على بعد 22 كيلومتراً من الحدود، كسا الحزن وجه القس إيليا كامل وهو يتفقد آثار الدمار التي لحقت بكنيسة مار جاورجيوس للروم الملكيين الكاثوليك. ففي9 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قصفت طائرة حربية إسرائيلية قاعة الرعية المجاورة، لتحطم أعمدتها الخرسانية سقف الكنيسة، وينهار جدار بكامله وتتناثر الحجارة الكبيرة عبر الممرات حتى المذبح. وبعد أكثر من عام، لم تُرمَّم الكنيسة بعد. ولا أحد من الرعية، التي كان عددها سابقاً 1200، والتي لا تتجاوز 100، قادر على تحمل تكلفة ترميمها. وقال كامل: "من وقت اللي انضربت بأكتوبر (تشرين الأول) 2024 ما عادش يتقدس فيها ولا قداس".
وأضاف أن زيارة البابا ليون قد تساعد في تعزيز المعنويات، وقال: "نحنا متأملين بهذه الزيارة للبابا إنه هالروحانية تعم بكنائس لبنان وبكنائس الشرق أكثر من هيك، ما بدنا نحنا بس المادي...أكيد ما في لا مادي ولا عملي ولا سياسة، لأنه لا يتعاطى لا بالمال ولا بالسياسة". وأضاف "هذه حياتنا وهيك، وهيك المسيح بيقول لنا بدكم تصبروا ودايم، بعد الصبر، بيجي الفرج، بس إمتى؟".