في سياق العودة إلى الذات ضمن الأنا الجمعي ـ الوطني والقومي ـ تُبذَل جهوداً واعدة، يقف أصحابها عند محطات بعينها من تاريخنا العربي، بحيث يتم الاستغراق، أحياناً، في البحث عن ما يعزز الدولة الوطنية، وما يقوي الباحث على مد جسور وتثبيت أخرى في الحيز الجغرافي، أو ما يسمى ـ بلغة الجغرافيا الطبيعية والسياسية ـ بالإقليم، عل النحو الذي تشكل منذ سنوات في منطقة الخليج العربي، ويشق طريقه اليوم في عالم يعترف به اقتصاديّاً، ويودّ هو أن يقر بحقيقة تواجده التاريخي، بعيداً عن الاستعلاء كما هو الأمر في بعض الكتابات الاستشراقية الغربية.

لقد قرأنا كثيراً من كتابات الرحالة، معظمهم من الغرب، وقليل منهم من الشرق ـ بمعناه الجغرافي الواسع ـ واستوقفت بعضنا قضايا بعينها، منها تلك المتعلقة بالجانب القيمي ـ الأخلاقي، أو ذات صلة بمواقف عنصرية نابعة من انقياد واضح من رحالة الشرق لأطروحات وآراء ومواقف الغرب حول الخليج، وهذه المسألة لم يقف عندها الباحثون إلا في حالات قليلة، أحسب منها تلك الوقفة البحثية المؤسسة، التي بدت جلية في كتاب الدكتور عبد العزيز المسلم "رحلة كرستجي إلى الخليج.. ملاحظات على عنصرية الرحالة".

من العنوان يحسم المسلم موقفه البحثي على خلفية القراءة والبحث والاستنتاج، لما طرحه الرحالة الهندي "سي. إم. كرستجي" في كتابه "أرض النخيل" والذي هو "رحلة إلى الخليج من بومباي إلى البصرة من 1916 ـ 1917"، وينتهي إلى أنه يحمل تعبيرات عنصرية تجاه العرب، وبالطبع ما كان له أن يصل إلى هذه النتيجة لولا وجود علامات دالة على مستوى النص لدى كرستجي، جاءت في الكتاب المطبوع حديثاً، بترجمة وتعقيب الدكتور منذر الخور، الصادر بطبعته الأولى عام 1989 في البحرين، أي قبل 36 سنة تقريباً، لرحلة قام بها مؤلف الكتاب منذ ما يزيد عن قرن (تحديداً 109 سنوات).

من ناحية أخرى، يذكر المسلم أن هذا الكتاب طُبع حديثاً أكثر من مرة باللغة الإنجليزية، (طبعة 1994، وطبعة 2001 مثلاً)، ويرجع ذلك "لأهمية رحلة كرستجي في ترسيخ وجهة النظر الاستعمارية الاستعلائية للبريطانيين"، التي ظهرت في الكتاب، إذ على التصور الاستعماري البريطاني سار كرستجي، ومع أنه قدم وصفاً للموانئ والشعوب في الخليج العربي وشط العرب، ووصفه للعادات والمظاهر الطبيعية والأساطير، إلا أنه ـ كما يقول عبد العزيز المسلم ـ "كان ينظر إلى العرب من منظور متحيز ومتأثر بالرؤية الاستعمارية البريطانية"، وربما تعود تلك النظرة إلى تكوينه الثقافي الغربي، لكونه تلقى تعليمه في جامعة أوكسفورد.

كان تأثير أصله الفارسي وانتمائه بيّناً على مواقفه من وصفه للعرب في رحلته، من ذلك قوله: "راودني شعور من حب الاستطلاع لمشاهدة أول مدينة فارسية في حياتي، ففي عصر ذلك اليوم، وطأت أقدامنا أرض إيران الوطن القديم للمجوس، فهذه المرة الأولى التي أجد فيها نفسي على الأرض القديمة لفارس ذات التاريخ العريق.. كم كان سروري عظيماً عندما تذكرت أنه على هذه البقعة التي خطوت فيها، وفي جوارها المباشر قد توقف الإيرانيون الأوائل أسلاف المجوس، واتخذوها ملجأ لهم فراراً من ظلم أسيادهم العرب"، وهكذا تحدث عن أصوله الفارسية مع أنه رحالة هندي.

ويصف كرستجي العرب في رحلته تلك بالجهل، وأن تفسيرهم لأحداث والظواهر لا يعتمد على البراهين التفسيرات العلمية، ويتصورون أنها مشيئة الخالق وكفى، ثم يصفهم بعدم النظافة والبخل والاتكالية والإهمال، وأنهم أصحاب طباع فظة وثياب رثة وهم "أشبه بحفنة من الصعاليك". 

كل ذلك يدل على عنصرية تجاه العرب، وهذا ما وقف عنده عبد العزيز المسلم، وعاد إلينا بهذه الدراسة التي تعد بداية لفتح دراسي لكتابات الرحالة، التابعين للشرق اسماً، الدائرين في فلك الاستعمار، وذلك تراث علينا قرأته بوعي ومن دون تحيز.