تحمل المدن الكبرى في العالم صفات يطلقها عليها أهلها أو الزائرون، أو المارّون عبرها إلى مدن أخرى، قد تكون جميلة المبنى والمعنى، وقد تكون غير ذلك، لكنها في كل الأحوال هي نتاج لأحكام البشر العاطفية والقيميَّة من جهة، ولعلاقتهم بالزمن الخاص والعام من جهة أخرى، سواء أتعلق الأمر بالتعود أو الحكم الأول عن المدينة حين يلتقي بها القادم إليها للوهلة الأولى.

ينتهي المقيمون في المدن، من غير أهلها، بعد طول تفاعل ـ قبولاً أو رفضاً منهم أو منها ـ إلى زمن مشترك معها، قد ينتهي فيه المقيم إلى إعمام مشاعر الحب ونشرها، أو الاحتفاظ بتلك المشاعر حقاً فردياً ترافقه أنانية بشعة، أو ينتهي إلى الحكم من خلال المقارنة، ويعمل البعض على توزيعه، أو البوح به، فيعبدون الطريق نحو شوق مبكّر من الآخرين.

أذكر هذا، لأن مدينة أبوظبي التي أقيم فيها اليوم ـ بعد رحلات ظعن في مدن شتى ـ تُرينا في كل السنوات جانباً من زينتها حين يحل العيد الوطني الاتحادي مذَكِّراً وواعداً، ومبشراً ـ أحياناً ـ بتطور متواصل، قد يحقق البعد الإيجابي عند تطور المدنية والحضارة، بالنظرة العلمية لعلم العمران كما طرحها عبدالرحمن بن خلدون.
ينطبق على أبوظبي عند تغيّر مناخها بدءاً من ديسمبر(كانون الأول) وإلى غاية نهاية فصل الشتاء ـ الذي يعدّ ربيعاً فيها ـ ما قاله الشاعر "جرير" عند وصفه لجبل"حوران":

يا حبّذا جبل الريّان من جبل وحبّذا ساكن الريّان مَن كانا

وحبّذا نفحات من يمانــــــيّة تأتيك من قِبَل الريّان أحيانا

لقد تمكنت أبوظبي من صناعة زمن خاص بها، يحقَّ لنا تسميته بـ "الزمن الظّبْياني"، هو بالنسبة لي يجمع بين الوجود الطبيعي لجمال هذه المدينة النابضة بالحيوية، وهي تتمدد قليلاً أفقياً، يحيط بها الماء من معظم جوانبها، مزاحماً ومُقَدِّياً لتمدد اليابسة، وبين مشاعر القادمين إليها من كل الطبقات، ومعظم الثقافات العالمية، فيظهرون فيها التعارف ـ وإن كان باتجاه واحد ــ وتُطوعهم هي بالأخلاق والقانون والسياسة والأحضان الدافئة، إلى أن يصيروا جزءاً من مشروع كبير يستنهض العالم، ويشاركه المعاني الإنسانية والأخلاقية الكبرى، القابلة للتنوع والمقبلة عليه.
تبدو مدينة أبوظبي ـ على خلفية الوصف السابق ـ غير متميزة عن المدن الأخرى في العالم، لأن كل تلك المدن تصنع تاريخها الخاص، وتشقّ طريقها في عمر الزمن، وتدخل في حوار مباشر مع أهلها والمقيمين على أرضها، وحتى الذين اتخذوا منها منطقة عبور إلى مدن أخرى في العالم الواسع، وهذا الرأي يعدّ صحيحاً ومقبولاً إذا كان الحكم عليها من واقع المدن، وتاريخها، وموقعها الجغرافي، وهو تتساوى فيه أو تقترب من المدن الأخرى، لكن إذا نظر إليها من ناحية إبراز خصوصيتها في سعيها المتجدد لتغدو مدينة لها ما يحقّق خصوصيتها، فستكون متفردة في رحلة الزمن.
يأتي التفرد من منجزها الثقافي والفني والعلمي والعمراني، بما لا يراه الناس مستحيلاً فتجعل منه ممكناً، ليس فقط لأنه عبر زمنها تتألق "دولة الإمارات العربية المتحدة" وتزهو لكونها عاصمة لها، وإنما أيضاً لأنها تشرك الآخرين ـ من جنسيات وثقافات متعددة ومختلفة ـ منجزها، وترتقي بهم، الأمر الذي يجعل الزمن الظبياني زمناً عالمياً بامتياز، بغضّ النظر عن الاعتراف به من عدمه.