تحتفي العاصمة الفرنسية باريس باليوم العالمي للغة العربية عبر سلسلة من الفعاليات الثقافية التي تقودها منظمة اليونسكو ومعهد العالم العربي، في مشهد يُجسّد مكانة المدينة كأحد أبرز المُلتقيات الدولية للحوار الثقافي وتعزيز التعددية اللغوية.
وأعربت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية عن التزام فرنسا بتعزيز اللغة العربية وتقديرها وتعليمها، مُؤكدة أنّ العربية تُعدّ إحدى اللغات الأساسية في فرنسا، حيث يستخدمها نحو ثلاثة ملايين شخص. وأشارت الوزارة إلى أنّ احتفالية اليوم العالمي تُشكّل فرصة لاكتشاف ثراء هذه اللغة العالمية في أشكالها وتنوّعها، مُنوّهة بدور العربية الدبلوماسي المُهم داخل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال السفارات والقنصليات الفرنسية وفي المنظمات الدولية، وبما تُمثّله من قيمة في عالم مُتعدد اللغات، وهو ما شدّد عليه الرئيس إيمانويل ماكرون.

آفاق مُبتكرة
تستضيف اليونسكو يوم 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 فعالية بعنوان "آفاق مُبتكرة للّغة العربية: سياسات ومُمارسات ترسم مُستقبلاً لغوياً أكثر ثراءً". وتتناول الاحتفالية موضوع هذا العام الذي يُركّز على الابتكار والشمولية بوصفهما مُحرّكين أساسيين لمُستقبل العربية.
وتبحث الفعالية في كيفية إسهام التكنولوجيا والتعليم والإعلام والسياسات العامة في إعادة تشكيل حضور اللغة العربية في عصر التحوّل الرقمي، وتطوير استخداماتها بطريقة أكثر ديناميكية واستجابة للتحولات الاجتماعية، خصوصاً في البيئات متعددة اللغات أو محدودة الموارد.
ويُركّز برنامج اليونسكو على مُبادرات تُعزّز وجود العربية في الأنظمة التعليمية والمنصّات الرقمية والخطاب العام، في محاولة لترسيخ المساواة اللغوية وتمكين المجتمعات المتنوعة، وضمان بقاء العربية لغةً قابلة للتكيّف مع العصر، مُتجذّرة في تراثها الثقافي ومُمتدة في آفاق جديدة.
العربية في صيغة المؤنث
بالتوازي مع فعالية اليونسكو، يُطلق معهد العالم العربي برنامج "العربية في صيغة المؤنث" الذي يمتد خمسة أيام من 17 إلى 21 ديسمبر (كانون الأول)، ويضم مجموعة من الأنشطة الأدبية والفنية والتعليمية، هدفها إبراز دور المرأة في تشكيل الإبداع العربي المُعاصر وإعادة تقديم اللغة كفضاء حيّ للتجدد والتعبير.
وتُوضح إدارة المعهد أنّ المبادرة جاءت تجاوباً مع رغبة مُتزايدة في فرنسا لفهم العربية خارج القوالب النمطية، ومن خلال منظور إنساني تصوغه المُبدعات من الكاتبات والفنانات. ويؤكد المُنسّقون أنّ اختيار البُعد النسوي لا يأتي كمُجرّد احتفال، بل باعتباره مُقاربة تُظهر كيف تتحول العربية إلى مساحة حرّة للتعبير عند النساء العربيات.

برنامج غني
تنطلق الفعالية بأمسية إملاء عربية يُقدّمها الشاعر والكاتب عيسى مخلوف، يلتقي خلالها جمهور عربي وفرنسي حول نصوص مختارة تُبرز موسيقى العربية وإيقاعها الداخلي. ويتواصل البرنامج مع "المحطات الموسيقية" التي تجمع أصواتاً من الضفتين المتوسّطيتين لتقديم مزيج فنّي يعكس التداخل بين العربية والتراث الموسيقي العالمي.
كما تعرض مكتبة المعهد جناحاً مؤقتاً يضم كتباً لجميع الأعمار تحتفي بحضور المرأة في الأدب العربي. ويشهد اليوم الأول أيضاً حفل جوائز "فرنسا–لبنان" الأدبية التي تُكرّم كتّاباً لبنانيين باللغة الفرنسية أو كتّاباً فرنسيين يتناولون لبنان في أعمالهم، في تجسيد للتبادل الثقافي بين العالم العربي والفضاء الفرانكفوني.
وفي اليوم الثاني، تُقام جلسة نقاشية بعنوان "عندما تُبدع المرأة في حياتها الخاصة"، تتناول علاقة المرأة العربية بمساحات الإبداع الفردي والجماعي، وكيف تتحول تلك المساحات إلى فضاءات للتعبير عن الذات والذاكرة والهوية. وفي المساء، يعرض المعهد فيلم «كاراميل» للمخرجة نادين لبكي، بوصفه نموذجاً سينمائياً يضع حياة النساء في قلب السرد.
أما اليوم الثالث، فيشمل ورشة فنية لمدرسة بغداد للخط، تستكشف العلاقة بين الحرف العربي والابتكار البصري، وكيف يُمكن للخط أن يتجدد كفنّ مُعاصر. وبالشراكة مع معهد أبحاث وتاريخ النصوص تُقام حلقة نقاشية حول الخط العربي بمُشاركة نخبة من الفنانين والأكاديميين العرب والفرنسيين.

"لغز كليوباترا" مسك الختام
يشهد اليوم الرابع جلسة دردشة كلامية تجمع متعلمي العربية والفرنسية على طاولة واحدة لتبادل الحديث باللغتين، بما يُساعدهم على تحسين مهاراتهم وتجاوز رهبة التحدث بلغة جديدة. كما تُقام فعالية "ساعة الحكاية" المُخصّصة للأطفال والعائلات، حيث تُروى قصص من التراث العربي تركز على "بطلات الحكايا"، وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية لتعزيز التبادل الثقافي.
ويُقدّم المعهد أيضاً العرض الموسيقي (وأنا، رأيت) للحكواتية الفلسطينية سالي شلبي وفريقها، في دعوة للجمهور إلى الغوص في عالم النساء الفلسطينيات ومرويّاتهن اليومية في مُواجهة الواقع الصعب.
ويُختتم برنامج معهد العالم العربي في باريس يوم 21 من الشهر الجاري، بجلسة مفتوحة لتعليم العربية للمُبتدئين الكبار، إضافة إلى زيارة إرشادية ثنائية اللغة (بالعربية والفرنسية) لمعرض "لغز كليوباترا" الضخم، الذي يُعيد تقديم واحدة من أشهر الشخصيات النسائية في التاريخ ضمن رؤية تفاعلية تجمع بين السرد الثقافي والإرث الحضاري.