قال الكاتب والمحلل العسكري البريطاني بيتر أوليف، إن الصين قد تلجأ في أي تصعيد مقبل مع تايوان إلى خيار الحصار البحري غير المعلن، أو ما يصفه الخبراء بـ "الحجر الصحي"، بدلاً من الغزو العسكري المباشر، في محاولة للضغط على تايبيه سياسياً واقتصادياً دون استدعاء رد عسكري غربي واسع.

 وأضاف الكاتب أن هذا السيناريو، الذي بات محل نقاش متزايد منذ عام 2024، يهدف إلى تغيير موازين التفاوض عبر إنهاك المجتمع التايواني وفرض وقائع جديدة على الأرض، دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.

وأوضح أوليف، الضابط السابق في البحرية الملكية البريطانية وزميل منتدى "باسيفيك فوروم"، في تحليل بموقع "آسيا تايمز"، أن بكين تدرك جيداً أن الغزو البرمائي، رغم خطورته، يظل الخيار الأكثر كلفة وتعقيداً من الناحية العسكرية والسياسية.

خيار محفوف بالمخاطر

أشار الكاتب إلى أن معظم المحللين يتفقون على أن الغزو البرمائي لتايوان يظل السيناريو الأخطر، لكنه في الوقت ذاته الأكثر تعقيداً بالنسبة لجيش التحرير الشعبي الصيني.

وأضاف أن هذا النوع من العمليات يتطلب تنفيذ أكبر عملية إنزال برمائي في التاريخ الحديث، مع ما يصاحب ذلك من تحديات لوجستية هائلة، واحتمالات التعثر عند الوصول، فضلاً عن خطر استدعاء تدخل خارجي وتصعيد غير محسوب.

وتابع التحليل أن هذه العوامل دفعت التفكير الاستراتيجي الصيني إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة.

الحصار البحري المقنّع

أوضح الكاتب أن البديل الأرجح يتمثل في السعي إلى قطع الإمدادات البحرية الحيوية عن تايوان، بما في ذلك الطاقة والغذاء والأدوية والسلع الأساسية، دون السعي إلى احتلال الجزيرة.

 وأضاف أن الهدف من ذلك هو ممارسة ضغط تدريجي على المجتمع التايواني لدفع حكومته إلى الدخول في مفاوضات مع بكين بشروط أكثر ملاءمة للصين.

وأشار أوليف إلى أن فرض حصار عسكري صريح قد يُعد عملاً حربياً صريحاً في نظر المجتمع الدولي، وهو ما تسعى بكين إلى تجنبه. لذلك، قد تعتمد الصين على خفر السواحل الصيني، مستخدمةً غطاء "إنفاذ القانون" استناداً إلى تشريعات داخلية تعتبر بموجبها المياه المحيطة بتايوان جزءاً من نطاقها السيادي.

أدوات غير عسكرية بآثار عسكرية

تابع الكاتب أن هذا السيناريو قد يترافق مع عمليات تخريبية وهجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية الحيوية في تايوان، إلى جانب ضغوط اقتصادية على مورديها الخارجيين، وأضاف أن الجمع بين هذه الأدوات قد يحقق أثراً يعادل الحصار العسكري الكامل، لكن دون إطلاق رصاصة واحدة.

وأوضح التحليل أن هذا النهج، الذي يُصنَّف تحت عتبة النزاع المسلح الدولي، يضع تايوان والمجتمع الدولي أمام معضلة قانونية وسياسية في كيفية الرد، ما يزيد من حالة عدم اليقين ويؤثر سلباً في الاستثمار والاقتصاد التايواني.

التجارة العالمية على المحك

وقال الكاتب إن تداعيات أي حصار أو "حجر صحي" على تايوان لن تقتصر على الجزيرة وحدها، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اعتماد شرق آسيا وأوروبا على طرق التجارة البحرية في هذه المنطقة.

وأضاف أن تايوان تعتمد بشكل شبه كامل على الأساطيل العالمية في استيراد احتياجاتها، لا سيما الغاز الطبيعي المسال الذي يوفر نحو 50% من احتياجاتها من الطاقة.

وأشار أوليف إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات البحرية سيؤدي إلى تغيير مسارات الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة زمن النقل، ما سينعكس على سلاسل الإمداد العالمية.

مخاطر أمنية على الملاحة

وأوضح الكاتب أن التوسع السريع في حجم الأسطول الصيني، سواء في البحرية أو خفر السواحل، يثير تساؤلات حول جاهزية الأطقم وكفاءتها.

واستشهد بحادثة وقعت في أغسطس (آب) الماضي، عندما اصطدمت مدمرة صينية بزورق لخفر السواحل أثناء مطاردة سفينة فلبينية، ما يعكس مخاطر حقيقية على سلامة الملاحة التجارية.

وأضاف الكاتب أن هذه المخاوف ستنعكس حتماً على قرارات شركات الشحن وأطقم السفن العابرة للمنطقة.

دور أوروبي محتمل في حماية الملاحة

تابع أوليف أن حماية الملاحة التجارية في مثل هذا السيناريو قد لا تقع على عاتق الولايات المتحدة وحدها، إذ لطالما اعتمدت واشنطن تاريخياً على حلفائها الأوروبيين في مهام مرافقة السفن وتنظيم حركة الشحن، كما حدث خلال الحرب الباردة.

وأوضح أن الدول الأوروبية تمتلك خبرة واسعة في عمليات التحكم البحري، ما جعل مهمة الاتحاد الأوروبي لمكافحة القرصنة منذ عام 2008 نموذجاً ناجحاً. وأضاف أن هذه الخبرة قد تعود لتلعب دوراً مهماً في أي أزمة بحرية في شرق آسيا.

حسابات معقدة بين واشنطن وأوروبا

قال الكاتب إن أي حصار طويل الأمد لتايوان سيضع واشنطن أمام معضلة استراتيجية: هل تتدخل فوراً، أم تكتفي بالتصعيد التدريجي؟، وأضاف أن أوروبا، رغم انشغالها بملفات قريبة مثل أوكرانيا والشرق الأوسط، قد تجد نفسها مضطرة للتدخل لحماية مصالحها التجارية.

وأشار إلى أن استمرار إرسال دول أوروبية لسفن حربية إلى المحيطين الهندي والهادئ، رغم الأزمات الراهنة، يدل على وجود قدرات يمكن توظيفها عند الضرورة.

حصار بلا مدافع 

خلص بيتر أوليف إلى أن سيناريو الحصار دون حرب قد يمنح الصين أداة ضغط فعالة على تايوان، لكنه في الوقت ذاته يفتح باباً واسعاً أمام اضطراب التجارة العالمية وتصعيد تدريجي يصعب التحكم بمآلاته.

وأضاف أن هذا النهج، وإن بدا أقل عنفاً من الغزو العسكري، قد يكون أكثر تعقيداً وخطورة على المدى الطويل، ليس فقط لتايوان، بل للنظام الاقتصادي العالمي برمته.