لا تحتاج إلا لزيارة واحدة ليغمرك شعور يجمع بين الرهبة والفخر، ويحفّزك على استحضار القيم التي نحن بأمسّ الحاجة إليها اليوم في جميع أرجاء المعمورة، قيم متماسكة مترابطة كأنها خوص مشغول بإتقان لا يُمكن أن يستقيم فيه غصنُ نخلٍ أو سعفةٍ دون أخرى. هي قيم محبة، عطاء، وفاء، تعاون، انتماء، تسامح، تعايش، انفتاح على الثقافات، وتقبّل للآخر وتبادل معرفي.
في خطوتك الأولى تشعر برهبة لا يمكن وصفها، من النافورة التي تستقبلك عند المدخل، رغم بساطتها، لكن فيها شيء من الروحانية التي يعجزني وصفها، للحظة تجدها مضيئة كنور القمر ينعكس بظلاله على جدران المبنى، فيتجسد جمال التصميم الهندسي والبناء الخارجي الفريد، متناسقاً مع اللون - هنا يجب أن نشير إلى الرؤية المتفردة لاستلهام الشكل من الصقر أثناء تحليقه استعداداً للطيران - الصقر الذي يعد رمزاً من رموز الهوية الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ويمثل القوة والمثابرة والتحليق عالياً - ولا بد أن نربط هنا بين رؤية الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" للدولة بأن تكون في زمن قصير بفضل رؤيته الحكيمة وقيادته الرشيدة في مصاف الدول الكبرى، محلّقةً كصقر عربي حرٍّ في سماء الريادة، وهذا ما تحقق.
في المتحف نجد ماضياً عريقاً وإنجازات تمثل روح الترابط بين المتحف وأبناء المجتمع والعالم. وأعود مجدّداً إلى التقارب بين النافورة وبنيان المتحف بما يعكس روح الوحدة والتواصل بين مختلف الثقافات. عند التجوّل في أروقة المتحف، سيلفت انتباهك حتماً موظفوه الذين يرتدون زياً يعكس تقاليد وتراث الإمارات، فالألوان المستمدة من لون البدلات العسكرية التقليدية تعكس مشاعر الفخر والانتماء للوطن، مما يعزز الشعور بالمجتمع والوحدة بين الزوار.
في زيارتي الأخيرة، الكثير من مشاعر الرهبة والاحترام والولاء والانتماء تجلّت أمامي، وسافرتُ في رحلة استكشاف ملامح الماضي. إن هذا المتحف ليس مجرد مبنى، بل هو قلب ينبض بتاريخ أمتنا وإرثها الثقافي. كل زاوية تحمل تفاصيل تعكس ثراء الثقافة الإماراتية، تحتوي قاعات المتحف على قطع أثرية رائعة، كل منها يحمل قصة فريدة ويسردُ بدوره الكثير عن العراقة والأصالة الإماراتيتين ببصمة زايد، من الأدوات القديمة التي استخدمها الأجداد، إلى الفنون التي جسدت حياتهم ومعتقداتهم. عندما أقترب من إحدى القطع، أشعر وكأنني أعيش تلك اللحظات التاريخية، أسمع همسات الماضي تدعوني إلى اكتشاف المزيد.
أمام كل قطعة، كانت تتزاحم أعداد الزوار من الإمارات والعالم، وفي قلب كل منهم مشاعر مختلفة ترسمها ملامح وجوههم، بالفخر والدهشة والرضا. هناك من يسترجع ذكريات عائلته، وآخرون يسعون لفهم جذورهم، ويعيشون حالات الحنين إلى ماضي أجدادهم وأمجاد بلادهم. تجاربهم تعكس أهمية المتحف كمكان يجمع بين الأجيال، ويعزز الانتماء إلى الوطن.
متحف زايد الوطني منارة للذاكرة. يربط الأجيال الجديدة بإرثهم، ويرسّخ فيهم مهمة صون هذا التراث، كل تفصيل يعكس قصص فخر تخلدها الأجيال، وتبقى حية في قلوبنا وعقولنا.
متحف زايد الوطني دعوة لكل شاب وشابة لكل طفل وطفلة وطالب وباحث حول العالم أن يكون سفيراً لتراثه الثقافي.