اختُتِمَتْ، مطلع هذا الأسبوع، فعاليات مهرجان أيام العربية بتنظيم من مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، والتي استمرّت لثلاثة أيام حافلة بالكثير من البرامج وورش العمل والندوات الحوارية وسهرات حلقات النار، والعروض والأمسيات الموسيقية والغنائية، وغيرها الكثير، وكان لمجموعة أبوظبي للثقافة والفنون شراكةٌ في تنظيم ندوة حوارية هامة بعنوان "أصوات وجماليات العربية مصدراً للإلهام"، ومقترح جلسة نار بموسيقى عازفين إماراتيين على العود.
وهنا، لا بدّ لنا من أن نشير إلى الأهمية القصوى لهذا المهرجان الذي ينعقد في دورته الثالثة، في رحاب المحطة الواقعة بين عامي المجتمع والأسرة، كاحتفالية مجتمعية آسرة باجتماع أفراد العائلة من مختلف الثقافات والجنسيات، فهو يستمدُّ صدقيته وطموحه الذي يعانق السماء، من مواقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ومن خطاب سموّه بمناسبة عيد الاتحاد الـ 54، الذي أكّد فيه على أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية لدولة الإمارات وقيمها واللغة العربية. قائلاً: "إن الحفاظ على هويتنا الوطنية وقيمنا وأخلاقنا ولغتنا العربية أولوية وطنية رئيسية ومسؤولية أساسية يجب أن يلتزم بها كل فرد من أفراد المجتمع"، متابعاً سموه: "بينما نريد لشبابنا أن ينخرطوا بالكامل في المسيرة العالمية للتقدّم العلمي والتكنولوجي، فإننا نريدهم أيضاً أن يظلوا راسخين في قيمهم وأخلاقهم وهويتهم الوطنية. أمة بلا هوية ليس لها حاضر ولا مستقبل، وإنّ التمسك بهويتنا هو مصدر قوة وثقة بالنفس وفخر بمن نحن".
فللمهرجان دوره المحوري ومكانته الراسخة، رغم قصر عمره، إذ أتى تتويجاً لمجموعة كبيرة من المبادرات والاستراتيجيات الداعمة للغة العربية في الإمارة والدولة، منها على سبيل المثال لا الحصر، استراتيجية الهوية الوطنية الإماراتية، وقمة اللغة العربية، وتقرير حالة ومستقبل اللغة العربية، مستكملاً مساراً معرفياً مستداماً في ترجمة رؤية أبوظبي في الحفاظ على مكانة اللغة العربية وصون إرثها الثقافي العريق، بل والانطلاق من ماضيها الأنيق، إلى فضاءات مفتوحة على الاستكشاف والدهشة لدى الأجيال الجديدة من الناطقين وغير الناطقين بالعربية، وكم فينا من ناطقٍ فضّل ألا يرطن إلا بلغةٍ أخرى، رغم ما لدى لغتها من إمكانات التعبير، وجماليات السحر والتأثير.
هُنا في منارة السعديات، اجتمعت الشعرية بالسردية في أبهى صورة، وتعانقت مفردات العربية الأصيلة بمرادفاتها الإماراتية، في تعبيرٍ حق عن ارتباط الفصيحة بالفصحى وباللغة وباللهجة، ارتباطاً حيًّا لا مفاضلة فيه للغة على لهجة، ولا انقطاع معرفي بين لهجة ولغةٍ أم، كما كان للفنون إلى جانب البخور والعطور، والتجارب الفنية الغامرة، حضورُ الكاليغرافية والحروفية في مزيج ألوانٍ وحضرة إيقاع ونغم، في الموشحات التي صدحت والقوافي التي ترددت في القصائد العربية المغنّاة والموسيقى العربية الأصيلة على العود والقانون بيد أمهر الموسيقيين الإماراتيين والعرب.
وهُنا، من قلب المنطقة الثقافية في أبوظبي، تألّق المتنبي في "جلسة الخيل العربي: إرثٌ حي"، سفيراً للشعر العربي إلى كونيّته، ورسولاً لريادةٍ إماراتية تُعيد تموضعه في سياق صراع الهويات وعروبة الشعر في زمن الشعوبية التي طغت فأفقدت الأمة بوصلتها أو كادت، وكان المتنبي فارسها المقدام، مدافعاً عنها بخَيْلِهِ ولَيْلِهِ، وسيفِهِ ورُمحِهِ وقرطاسِهِ وقلمِه.
ومن شعار أعلاه المهرجان لهذا العام "جوّنا عربي" ننطلق لنكمل: "وطموحُنا السماء" وكيف لا؟ والإمارات مدرستنا وقادتُها سادتُنا وأساتذتُنا في تحدّي المستحيل؟