رافق استفحال" العولمة" وتمددّها وانتشارها، رغم توحّشها، شعور لدى كثير من المهاجرين الفارِّين من أوطانهم الأصلية ـ لأسباب مختلفة ومتعددة ـ بأنهم ينتمون حضوراً إلى وطن" المصب"، الأمر الذي جعلهم يكتسبون وطنية جديدة، لا تحكمها جغرافية منابتهم الأصلية، يسميها البعض "المواطنة العالمية"، والتي تنتهي إلى إقرار مصطلح "الإنسان الكوني"، حتى لو اقتصر ذلك على الطرح النظري للمسألة.
الانتماء للمواطنة العالمية ـ طوعاً أو كرهاً ـ يحمل أملاً مفقوداً للعيش بسلام بين بني البشر، لأن السّاعَين في ركب المواطنة الجديدة ليس في مقدورهم التخلّص من ميراث" الشيفونية الوطنية" التي تعود اليوم لتدفع نحو عداوة شديدة تجاه الآخر من جهة، وتحمل عبء منظومة القيم، والأيديولوجيا التي تؤمن بها وتدافع عنها، سواء أكانت خيراً أم شراً، من جهة أخرى.
في حالات كثيرة كشفت المواطنة العالمية ـ وهي هنا مناقضة للدولة الوطنية ليس من حيث الانتماء فقط، وإنما من حيث الولاء أيضاً ـ على أنه قد تطغى على الأفعال الجوانب الخيّرة عند التكيف مع البيئة الجديدة، حتى لو تطلَّب الأمر تضحية بوازع إنساني، ربما يكون الدافع إليه رد جميل الاعتراف من المجتمع الجديد (مجتمع المصب).
في هذا السّياق، يمكننا الحديث عن الحادث الإجرامي الذي استهدف الجالية اليهودية على شاطئ بوندي في سيدني بأستراليا الأحد الماضي (14 ديسمبر(كانون الأول) الجاري)، وهذا بمناسبة احتفالها بأول ليلة من "حانوكا" (عيد الأنوار) في تجمع ضمّ ألف مشارك، وذهب ضحيته 16 شخصاً، منهم أحد المُهَاجمين، وتصدى له "أحمد الأحمد" (مواطن أسترالي من أصول سورية)، وتلقى نتيجة ذلك رصاصتين، أدَّتا إلى دخول المستشفى، وإجراء أكثر من عملية جراحية.
الملاحظ هنا أن الجالية اليهودية المقيمة في أستراليا تعد جزءاً من المواطنة العالمية، واليهود عموماً هم أكثر شعوب الأرض تكيفاً مع الأماكن المختلفة في التيه والشتات على مر العصور مع محافظتهم على خصوصيتهم، ما يعني أنهم السابقون في مسألة المواطنة، ومع ذلك فقد عملوا لأجل إقامة دولة خاصة بهم، تحقق لهم وجوداً يكون مستقلاًّ عن الآخرين، كما أنهم لم يتخلوا عن ميراثهم الثقافي، بما فيه المؤسس على الأساطير، كما هو الأمر في عيد "حانوكا"، الذي يدوم ثمانية أيام، يضيئون خلالها شمعة كل يوم تثّبت في شمعدان خاص بهذه المناسبة، ولا صلة لهذا العيد بالتوراة، إنما بحروب الحشمونائيم ضد اليونانيين، وللدلالة على انتصار وتغلب الأقلية على الأغلبية في العام 164 ق.م.
حادث سيدني يكشف على أن المواطنة العالمية، على أهميتها في الوقت الراهن، ليست خاصة، لأن المواقف والأيديولوجيات من مجتمعات المنبع لا ترحل بعيداً، إنما تختفي ثم تظهر من جديد في فعل إجرامي أو إرهابي يؤدي إلى توتر في شبكة العلاقات الاجتماعية، في حال التسليم بما يصدر عن الجهات المسؤولة، كما هو الأمر في هذا الحادث، فقد ذهب رئيس الوزراء الأسترالي "أنتوني ألبانيزي" في تصريح لهيئة الإذاعة الأسترالية إلى القول: "يبدو أن هذا الهجوم كان مدفوعاً بأيديولوجية تنظيم داعش، وهي أيديولوجية موجودة منذ أكثر من عقد، وأدت إلى نشر أيديولوجية الكراهية، وفي هذه الحالة إلى الاستعداد لارتكاب جريمة قتل جماعي".
المدهش أنه حين تعلق الأمر بهذا الحادث الذي نسب لداعش الإرهابي، لم يذكر ألبانيزي أن هذا الفعل الإجرامي هو نتاح البيئة الأسترالية، لكنه حين تحدث عن أحمد الأحمد، نظر إليه باعتباره مواطناً أسترالياً، قائلاً: "شجاعته مصدر إلهام لجميع الأستراليين. في لحظة شهدنا فيها ارتكاب الشر، يبرز أحمد كمثال على قوة الإنسانية.. وكان شرفاً عظيماً لي أن ألتقي بأحمد الأحمد، إنه بطل أسترالي حقيقي، ومتواضع للغاية"، وفي هذا كشف عن المواطنة العالمية التي تظل مرتبطة نظرياً ومرجعياً وأخلاقياً بالأصول كما هي في الأوطان الأم.