رأت صحيفة "غارديان" البريطانية، في تقرير إنساني موسّع وتحقيق استقصائي متزامن، أن الحروب الحديثة لم تكتفِ بتحويل المدن إلى ساحات قتال، بل امتدت لتستهدف أكثر لحظات الحياة هشاشة؛ الولادة والأمومة، حيث أصبحت النساء الحوامل والأطفال حديثو الولادة من أكثر الفئات عرضة للعنف المنهجي، سواء بالقصف المباشر، أو عبر التجويع، أو بانهيار منظومات الرعاية الصحية.
غزة.. ولادتان في زمن المجاعة والقصف
أفاد التقرير بأن الفلسطينية هديل الغراباوي، وهي أم شابة من غزة، خاضت تجربتين للولادة خلال الحرب، في ظروف وصفَتها بأنها تفوق الاحتمال الإنساني.
وقالت الصحيفة إن الغراباوي كانت في شهرها السابع حين اندلعت الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واضطرت إلى النزوح المتكرر، وفقدت منزلها، وعاشت بين المستشفيات المكتظة والخيام، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء.
وأضاف التقرير أن ولادتها الأولى جرت في مستشفى ناصر في خانيونس تحت القصف، فيما جاءت ولادتها الثانية بعد أشهر من المجاعة، داخل سيارة إسعاف، من دون تخدير، بعد أن اضطرت إلى النزول خمس طبقات على قدميها أثناء المخاض بسبب انقطاع الكهرباء، وأوضحت الغراباوي أن طفلها الثاني وُلد بوزن منخفض نتيجة الجوع، مؤكدة أن المجاعة كانت أقسى من القصف.
وأشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة اعتبرت الأوضاع المفروضة على المدنيين في غزة، بما فيها استخدام التجويع ومنع الرعاية الصحية، متسقة مع سمات الإبادة الجماعية، ولا سيما في ما يتعلق بالحق في الصحة الإنجابية.
نمط عالمي.. استهداف متعمّد للرعاية الإنجابية
في تحقيق استقصائي موازٍ، كشفت "غارديان" عن نمط عالمي متصاعد من الهجمات على مرافق الولادة والنساء الحوامل في مناطق النزاع، موثّقةً ما لا يقل عن 119 هجوماً مباشراً على مستشفيات وأقسام ولادة خلال السنوات الثلاث الماضية، في غزة وأوكرانيا والسودان وميانمار والكونغو الديمقراطية.
وأوضح التحقيق، استناداً إلى بيانات منظمة "إنسكيورتي إنسايت" السويسرية، أن قرابة 300 اعتداء طال مرافق الرعاية الإنجابية، شملت قصف المستشفيات، واعتقال وقتل قابلات وأطباء، ومنع النساء من الوصول إلى الرعاية الطبية أثناء المخاض.
السودان.. مجزرة داخل مستشفى ولادة
أشار التحقيق إلى أن إحدى أبشع الحوادث وقعت في مدينة الفاشر السودانية، حيث اقتحمت قوات الدعم السريع مستشفى الولادة السعودي، ما أسفر عن مقتل مئات المرضى ومرافقيهم، بينهم نساء في المخاض وأطفال حديثو الولادة.
ونقلت الصحيفة عن أحد الناجين قوله إن النساء والأطفال كانوا يصرخون بينما يُقتلون داخل المستشفى، في حادثة وصفتها منظمات حقوقية بأنها انهيار كامل للحماية المدنية.
أوكرانيا.. الولادة تحت الأرض
وفي أوكرانيا، وثّق التحقيق تدمير أو تضرر أكثر من 80 منشأة للولادة منذ 2022، ما اضطر الأطباء إلى نقل غرف الولادة إلى الأقبية، وسط ارتفاع ملحوظ في مضاعفات الحمل بسبب التوتر والخوف المستمر.
ونقلت الصحيفة عن أطباء أوكرانيين تأكيدهم أن المستشفيات لم تعد تُعدّ أماكن آمنة، حتى مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
عنف إنجابي وثقافة الإفلات من العقاب
قالت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيما بحوث إن هذه الهجمات ليست نتائج عرضية للحرب، بل تمثل شكلاً من العنف الإنجابي المنهجي، وأضاف التحقيق أن غياب المحاسبة الدولية شجع على ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، حيث نادراً ما يُلاحق المسؤولون عن استهداف مرافق الولادة.
وأشار خبراء قانونيون إلى أن تدمير القدرة على الإنجاب أو منع الولادات الآمنة قد يُصنّف، قانونياً، ضمن أفعال إبادة جماعية إذا استهدف جماعة بعينها.
الولادة جبهة حرب
خلصت الصحيفة البريطانية إلى أن ما يحدث في غزة والسودان وأوكرانيا لا يمكن فصله عن تحوّل الحروب الحديثة إلى صراعات تستهدف البنية الاجتماعية ذاتها، حيث تصبح المستشفيات أدوات ضغط، والأمهات رهائن، والأطفال ضحايا قبل أن يولدوا.
وأكدت "غارديان" أن حماية النساء أثناء الحمل والولادة لم تعد مسألة إنسانية فحسب، بل اختباراً حقيقياً لصدقية القانون الدولي الإنساني، الذي يتآكل أمام واقع تُدار فيه الحروب بلا خطوط حمراء.