بعد مرور 120 عاماً على صدور القانون الخاص بفصل الدين عن الدولة، تعود العلمانية الفرنسية، أو "اللائكية"، إلى صدارة النقاش العام، لا بوصفها موروثاً قانونياً من الماضي، بل باعتبارها أحد أهم الأعمدة التي قامت عليها الجمهورية، وإطاراً ما زال قادراً، رغم التحدّيات، على إدارة التنوّع الديني والثقافي في واحدة من أكثر المجتمعات الأوروبية تعدّداً.

وتوقف سياسيون ومحللون وصحافيون فرنسيون كثيراً في ديسمبر (كانون الأول) الجاري، عند هذه المناسبة المفصلية احتفاءً بذكراها. وقد بدا واضحاً أن هذا القانون، الذي يُعدّ حجر الزاوية في مفهوم علمانية البلاد، لم يُستحضر بوصفه حدثاً تاريخياً فحسب، بل كإطار حيّ ما زال يثير أسئلة راهنة تتعلّق بالهوية، والتعدّدية الدينية، وحدود دور الدولة في مجتمع يشهد تحوّلات عميقة.

حياد الدولة لا معاداة الدين

والقانون الذي أنهى، قبل أكثر من قرن، التداخل بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية ممثلة بالكنيسة حينها، لم يكن موجّهاً أبداً ضدّ الإيمان أو ممارسة العبادات، بل جاء ليؤسّس حياد الدولة ويضمن المساواة الكاملة بين المواطنين، بغضّ النظر عن معتقداتهم. وهو ما يفسّر استمرار استحضاره حتى اليوم كنقطة مرجعية في النقاشات المرتبطة بالهوية، والعيش المشترك.

وفي هذا الصدد، تشير المؤرخة الفرنسية ريتا هيرمون-بيلو إلى أن قانون 1905 مثّل تتويجاً لمسار إصلاحي طويل اعتمد التدرّج والحوار، لا الصدام، ما سمح بترسيخ مبادئ الجمهورية وكسب تأييد غالبية المجتمع. وتوضح أن واضعي القانون تعمّدوا عدم تقديم تعريف جامد للعلمانية، مكتفين بوضع مبادئ عامة، وهو ما منح هذا النموذج قدرة لافتة على التكيّف مع التحوّلات الاجتماعية عبر عقود.

العلمانية كآلية لتنظيم التعايش

وتقوم العلمانية الفرنسية، وفق هذا التصوّر، على تحييد الدولة تجاه الأديان، لا على معاداتها. فحرية المعتقد والعبادة مصونة، في مقابل إخضاع الشأن العام لقواعد مدنية واحدة تضمن المساواة وتمنع التمييز. وهو توازن دقيق مكّن فرنسا، تاريخياً، من إدارة تعدّد ديني واسع داخل إطار قانوني واحد.

وبحسب هيرمون-بيلو، تؤكد اللائكية الفرنسية أنها لا تعني القطيعة مع الأديان، إذ يضمن القانون ممارسة الشعائر الدينية داخل مؤسسات عامة، كما تدير الدولة حواراً رسمياً منظّماً مع مختلف الديانات. وفي ما يخصّ الإسلام، يتمثّل التحدي الأساسي في مسار تعقّده الخطابات التي تخلط بين الإسلام كدين والإسلاموية كتيار سياسي، وادّعاء حركات متشددة، في مقدمتها تنظيم الإخوان الإرهابي، تمثيل بعض الجاليات المسلمة، مما أضرّ بصورة العلمانية لدى جزء من الرأي العام.

كما توضح الباحثة أن القوانين الحديثة المكرّسة للائكية لا تتعارض مع قانون 1905 الضامن لحرية العبادة ضمن النظام العام، رغم التركيز الإعلامي على جوانبها الصارمة نوعاً ما. وترفض اعتبار اللائكية معادية للإسلام، مستشهدة بزيادة عدد المساجد وتحسّن تعامل السلطات مع مطالب المسلمين، ومعتبرة أن العلمانية أثبتت قدرتها على إدارة التعدد الديني في فرنسا.

الواقع القانوني والتطبيق العملي

وفي هذا السياق، يؤكد عدد من الباحثين أن الصورة الشائعة عن قطيعة تامة بين الدولة والأديان لا تعكس الواقع القانوني بدقة. فالقانون نفسه ينص على ضمان ممارسة الشعائر الدينية داخل مؤسسات عامة، حتى في المستشفيات والسجون، كما أن الدولة تدير قنوات حوار بشكل دائم مع مختلف الديانات، وتنسّق معها في ملفات اجتماعية وإنسانية وأخلاقية متعددة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية باتريك فيل، أن قوة العلمانية الفرنسية تكمن في كونها "آلية لتنظيم التعايش"، لا منظومة أيديولوجية مغلقة، محذّراً من اختزالها في قراءات سياسية ظرفية تفقدها بُعدها الجامع. وتظهر الوقائع العملية أن العلمانية الفرنسية أتاحت، خلال العقود الأخيرة، توسعاً ملحوظاً في أماكن العبادة الإسلامية، وقدّمت تسهيلات تنظيمية لتعزيز الحوار مع كافة الهيئات الدينية، ما يعكس قدرة هذا الإطار القانوني على استيعاب التنوع الديني حين يطبَّق بروحه الأصلية المتسامحة.

الخطر يكمن في التسييس

وفي هذا الإطار، شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن العلمانية "تحمي حرية الإيمان كما تحمي حرية عدم الإيمان"، معتبراً أنها تشكّل أرضية مشتركة تتيح للمواطنين المختلفين دينياً العيش تحت مظلّة قانون واحد، من دون امتياز أو إقصاء.

ويحذّر محللون من أن التحدي الحقيقي الذي يواجه العلمانية اليوم لا يكمن في الدين أو التنوّع، بل في تسييس هذا المفهوم وتحويله إلى أداة استقطاب. فحين تستعاد العلمانية بوصفها ضمانة للحرية والمساواة، تستعيد دورها كإطار جامع، وحين تختزل في خطاب الخوف أو الإقصاء أو الترهيب، تفقد معناها وتضعف التعايش بين أفراد المجتمع.

اليوم، وبعد 120 عاماً، لا تزال العلمانية الفرنسية تجربة مفتوحة على التطوير، لكنّها تثبت، في نظر كثير من الباحثين، أن حياد الدولة يمكن أن يكون شرطاً أساسياً لاحترام التنوّع، لا نقيضاً له، ولهذا الغرض تمّ إطلاق ورش تدريبية تتيح إطلاع طلاب المدارس الإعدادية والثانوية، والمعلمين، والعاملين في القطاعين العام والخاص، على مبادئ العلمانية بشكلها الصحيح.