إن الحديث الراهن عن التجديد وأهميته نابع من كونه موضوعاً يرشحه الوضع وحاجة ماسة، فالتجديد، وإن كان أمراً ملحاً في كل زمان ومكان، والأحداث والوقائع تستدعي البحث عن إعادة الربط والمواءمة بين الخطاب الديني بتوجهاته واجتهاداته وبين الواقع بتغيراته.

والتجديد الذي نريده هو تجديد في الآليات والوسائل بعيداً عن المساس بالثوابت المتمثلة في القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

التاريخ الإسلامي بكل مراحله يظهر لنا أنه في كل أزمة يتعرض لها الفكر الإسلامي، تخرج المبادرات التجديدية من رحاب الخطاب الديني الوسطي المعتدل، لتحمينا من المفاهيم الفردية التي يقوم بها أدعياء الدين، وتقديم البديل الحضاري للخطاب الديني، ويصبح عقلاً راكداً مثل المستنقع الآسن الذي يأتي بالتطرف.

المطلوب هو الخطاب المتصالح المتجدد الذي لا يكفّر، يتوخى مصالح الناس ومقاصد الشريعة، ويعتمد مواءمات يفرضها الواقع ويزكيها الشرع والعقل، خلال منهج التدرج والواقعية والموازنة بين المصالح والمفاسد.

الخطاب الديني في مأزق حقيقي، وقد تقوضت الكثير من الخطابات البديلة، وأضحى مناهضة الأفكار الشاذة واجباً أصيلاً على علماء الأمة الثقات. ولا بد من الإشارة إلى الحاجة إلى خطاب ديني رباني المصدر والمنشأ، أي أن يستمد قيمه ومبادئه من التعاليم الإسلامية التي أمر بها الله ورسوله، وعالمي وعام لجميع البشر، بحيث يكون للناس كافة. يجب أن يراعي الخطاب الديني التوازن بين العقل والوحي، وبين الحقوق والواجبات، وبين المادة والروح، مراعياً جميع جوانب الحياة بدون تشدد ولا غلوّ. وأن يكون إيجابياً في كل مناحي الحياة وينفع جميع الناس، والمتمثل فيما يلي: تحقيق التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والقضاء على البطالة، والاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها.

من الضروري مراعاة الأولويات والمصالح، بحيث تراعي الشريعة الإسلامية الأولويات في الأحكام، إذ تُراعي الفرائض قبل النوافل، والمصلحة العامة قبل المصلحة الشخصية، ودرء المفاسد قبل جلب المصالح.

غني عن البيان أن ارتباط الخطاب الديني بمعاني إيجابية كالتعاطف والرحمة يرقق القلب ويجعل الإنسان أقل قبولاً للتفسيرات السوداوية التي تحض على الكراهية والبغض، ويشرح القلب للإيمانيات والروحانيات.

وهو ما يتعلق بطريقة التدين ومدى قدرة الخطاب الديني المعتدل على تعزيز مشاعر الإيجابية والسعادة والأمل برحمة الله في نفوس الناس، ناهيك عن أن الخطابات الدينية المتشددة تجعل الإنسان أكثر عرضة للاكتئاب وعدم تقدير الذات وأقل رضاً عن حياته، عكس الذين طريقة تدينهم وأنماط تفكيرهم بها رغبة داخلية للسكينة والراحة النفسية.

السؤال الجدير بالإشارة الذي يطرحه المؤلف النفسي الدكتور عرفة في كتابه (الإنسان أولاً) عن أهمية الشعور السائد في نمط التدين الذي تتبعه:

وجد علماء النفس أن الذين يستخدمون الخطاب الديني بطريقة تثير الخوف وتعمق المشاعر السلبية يعجزون عن التكيف مع ضغوط الحياة وتزداد معاناتهم بسببها. وعلى العكس، الذين يستخدمون الخطاب الديني بطريقة تثير مشاعر إيجابية، يكونون أكثر قدرة على التكيف مع ضغوط الحياة. بعض الناس لا يتدينون عن حب، بل عن اضطراب وذعر وإكراه، لذلك يميلون إلى المذاهب التي تتعامل مع الدين بهذا المنطق، فيسهل عليهم اعتبار الدين من مظاهر شكلية وتعليم جاف على المرء أن ينفذها حرفياً لينقذ نفسه من عذاب الله أو القبر أو النار. لابد أن يكون للتفسيرات الدينية أهمية التدبر في إدراك جوهر الدين الأخلاقي، أو أن يكون دافعه البحث عن الحقيقة أو حب الخير أو الرغبة الروحية في التقرب إلى الله.

كما يؤكد الدكتور عرفة في كتابه بأن التدين إن لم يحقق مكاسب روحية ومشاعر إيمانية مفعمة، فإنه يكون تديناً يغلب عليه المشاعر السلبية التي تؤثر في القدرات الإدراكية، فيولي المرء أهمية أكبر لتفاصيل الدين لا للصورة العامة، فيهتم بسفاسف الأمور وتوافهها، غير مبالٍ بالتدين بصورته الأشمل أو من منظور واسع، كالمصلحة العامة وتغير العصر أو المقصد الشرعي أو الحكمة من وراء الأمر الديني. فالشخص المذعور لا يمتلك تلك العقلية المتوازنة ليتفكر ويعمل عقله في الاجتهادات الدينية المختلفة، أو ليختار أكثرها إقناعاً ومواءمة، بل يتتبع أكثر التفسيرات القديمة صرامة وشدة طلباً للأمان وإيثاراً للسلامة.