يدلّ الموقف الإماراتي الثابت منذ البداية على وعي القيادة الرشيدة بدقّة المرحلة وطبيعة التحديات التي تهدّد المصير العربي المشترك، والتصدي للتهديدات الإرهابية التي عاثت في الأرض فساداً، بخاصة تهديد الجماعات المتطرفة، وما آلت إليه اليمن من أوضاع مزرية، من استباحة مدنها وتهجير الآمنين وتدمير الممتلكات. لهذا كان لا بدّ من وقفة تواجه كلّ التحديات والأخطار ضد الأمن القومي العربي، واستناداً إلى المعاهدات العربية استجابت الإمارات للنداءات في اليمن وإلى صيحات المكلومين المضطهدين من القوّة الغاشمة التي تستبيح المدن بقوّة السلاح وتعتقل الوطنيين. لهذا كانت الإمارات من ضمن أوائل الدول المبادِرة للدفاع عن المنطقة، والانخراط بفاعلية ضمن عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» اللتين هدفتا إلى كبح جماح مخططات الطائفية في تدمير اليمن، من منطلق إيمانها بأن الاعتداء على سيادة أيّ بلد عربي مجاور سوف يجرّ المنطقة إلى أتون حرب قد تؤثر سلباً في دول الخليج، على اعتبار أن اليمن جزء أصيل من قلب كلّ عربي ما دامت فيه دماء الأصالة والعروبة.

الإمارات تدخل التاريخ من أوسع أبوابه لتكون من الطلائع الأولى التي روت أرض اليمن بالماء (سد مأرب) ودماء الشهداء، لأن الحسّ العربي متّقد ومتوهّج في نفس الفرد الإماراتي، ويؤكد عمق انتمائه إلى كيان الأمة العربية. فالشهداء الإماراتيون سطّروا صفحات الشرف والفخر والإباء في سجل الوطن، وجادوا بأرواحهم فداءً لنصرة إخوانهم من العرب ورفعاً للظلم والضيم الذي يعانيه إخوانهم في اليمن، من أجل تحقيق انتصارات جديدة في سياق نضالنا القومي، سواء من ربقة العنف أو استرداد الحقوق المغتصبة. لهذا كانت تضحياتهم درساً للتاريخ مملوءاً بالمجد والسؤدد.

هناك الكثير من البراهين والشواهد التي تستحق الإشادة من الالتزام الإماراتي منذ أن غزا الإرهاب العالم، إذ كان لها موقف صارم وحازم ينبذ الإرهاب والتطرف والعنف، واتخذت كل الإجراءات والتدابير الأمنية الاحترازية لاستئصال شأفة هذه الظواهر، والقضاء على الفئة الضالة ومحاولة اجتثاثها، وحاولت بكل الطرق الممكنة سنّ التشريعات لتجريم الأعمال الإرهابية ضمن استراتيجية وطنية فذّة للتصدي لوتيرة الإرهاب في المنطقة، وتحملت مسؤوليتها الوطنية والأخلاقية لمكافحة دابر الشرذمة. وكل هذا بقدرات استثنائية استطاعت ملاحقة وتطويق بؤر التطرّف والإرهاب، وعلى جميع المستويات الداخلية والإقليمية والدولية بهدف إعادة السلم والأمن الدوليين، ولا تزال تتضافر جهودها مع المجتمع الدولي للانتصار على الإرهاب وتجفيف منابعه. كما لا ننكر أن هذا الدور الملهم يجعل من الإمارات حاميةً لحمى الإسلام، لإعادته إلى موقعه الطبيعي وترويج أدواره الخالدة في السلام والتسامح والتعايش، وانتزاعه من مختطفيه الذين يحاولون إشاعة أفكارهم الظلامية، لكي لا يُحرَّف الإسلام ولا يُبعَد عن مساره وجوهره الإنساني ومحتواه الأخلاقي. ولولا هذه الجهود المكثفة لكانت جماعات الإرهاب والانقلاب والطائفية التهمت ما تبقى، ولبغت وطغت في الأرض فساداً.

ما يبعث برسالة قوية إلى أصحاب الأجندات المشبوهة ومروجي الشائعات ومثيري الفتن بأن الدور الإماراتي الحكيم والهادئ والمتزن في التعاطي مع هذه الأحداث يمثل نموذجاً فريداً في التعامل العقلاني، ليس فقط لأنه ينحاز إلى إرادة الشعب اليمني، وإنما لأنه أيضاً تصدى بحسم للمخططات الخارجية التي تستهدف العبث بأمن واستقرار شعوب المنطقة، وأجهض المحاولات التي كانت تستهدف تحويل اليمن إلى ثغرة تهدد الأمن الخليجي والعربي بوجه عام.

لقد تفاعلت حكومتنا الرشيدة بشدة مع المعاناة الإنسانية للشعب اليمني ولم تبتعد عنه في أحلك المواقف، مع تنامي التداعيات الإنسانية المأساوية نتيجة لهجمات الحوثيين وحلفائهم. فالمساعدات الإنسانية طالت مناطق وقرى ومحافظات عديدة، ما أسهم في التخفيف من آلام العديد من المتضررين والمهجّرين واللاجئين، والمساهمة بإعادة إعمار عدن والمناطق المحررة، كما أسهمت في مساعدة الشعب اليمني على بناء دولته ومؤسساته الوطنية، وحقه المشروع في تقرير مصيره كي يتجاوز المرحلة الصعبة.

ولعل الدعم الإنساني والإنمائي الذي تقدمه لليمن الشقيق منذ انطلاق عملية إعادة الأمل في اليمن، وحتى وقتنا الراهن، بل العمل أيضاً على مساعدة الشعب اليمني الشقيق ليتجاوز التحديات التي تواجهه على المستويات كافة، الإنسانية والتنموية والأمنية، ووضعه على طريق البناء والتعمير والاستقرار الشامل.

ولعل الكلمات المأثورة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة – حفظه الله – والتي قال فيها: «إن تضحيات شهدائنا ودماءهم الزكية هي أبلغ رسالة بأننا لا نساوم على أمننا واستقرارنا وسلامة شعوبنا، وبأننا سنواجه، بتعاون الأشقاء، بكل حزم كل المخططات والأطماع والتحديات المحيطة».