صنَعت الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الدولي معظم أحداث العام الفائت (2025)، خاصة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بغض النظر عن جدواها وفاعليتها داخلياً وخارجياً، وأعمال السنة كلها تنسبُ للرئيس دونالد ترامب، لدرجة تجعلنا نصفها بأنها "سنة ترامبية بامتياز"، نظراً لما صحبها من تحولات سياسية كبرى، بدا فيها ترامب قائداً للعالم بلا منازع، وصانعاً لمعظم الأخبار التي تناولتها وسائل الإعلام المختلفة. 

صناعة ترامب للحدث عالمياً خلال كل أيام السنة تبدو ناجحة إذا نظرنا إلى نتائجها ـ ولو أنها محدودة ـ على صعيد العلاقات الدولية، إلا أن هناك جملة من التحديات الداخلية واجهته، ولم يفلح في تجاوزها، منها: استمرار التضخم، والكوارث الطبيعية، والتوترات مع دول الجوار، وصراعه الداخلي ـ مع الديمقراطيين خاصة ـ لأجل تطبيق الإجراءات تحقيق رؤيته لقيادة بلاده تحت شعار "أمريكا أولاً".  

عملياً، فإن قرارات ترامب الداخلية خلال السنة الماضية، أثرت سلباً على علاقة بلاده مع دول العالم، خاصة قراراته المتعلقة بالتقليص الكبير في أدوات القوة الناعمة، من ذلك على سبيل المثال: تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، و"تفكيك الدولة الإدارية" بتسريح المئات من العاملين في وزارة الخارجية، وانسحاب واشنطن من الاتفاقيات الدولية، وتقليص تمويل المنظمات العالمية بما في ذلك الأمم المتحدة، وغيرها.

تلك الإجراءات جميعها ـ على ما فيها من تحديات داخلية وخارجية ـ لم تكن كافيةً بالنسبة لترامب، بدليل أنه إدارته أعلنت في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي وثيقةً تضمّنت رؤيتها لاستراتيجية جديدة للأمن القومي، بحيث تعد تحولاً جذرياً في السياسية الخارجية الأمريكية لكونها تنقل تركيز القوة الأمريكية من الساحة العالمية إلى الجوار الإقليمي.

الملاحظ، أن الوثيقة حذّرت من زوال الحضارة الأوروبية، وأعلنت رسمياً "تحديث مبدأ مورنو" ـ بيان أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مورنو في رسالة سلّمها للكونغرس الأمريكي في 2 ديسمبر(كانون الأول) 1823 ــ نادى فيه بضمان استقلال كلِ دول نصف الكرة الغربي من التدخل الأوروبي، وإطلاق ما سمته الوثيقة "ملحق ترامب لمبدأ مرنو"، الذي ينص على اتباع مبدأ السلام من خلال القوة.

تتضمن الوثيقة استراتيجية الأمن القومي، وقد دعت صراحةً الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها، مشيرة إلى أن واشنطن لن تضمن أمن أوروبا بعد الآن، كما وصفت الوثيقة الاتحاد الأوروبي بأنه يمارس أنشطة تقوض الحرية السياسية والسيادة الوطنية، وانتقدت سياسات الهجرة الأوروبية، وذهبت إلى حد الحديث عن "محو حضاري" يهدّد أوروبا، بجانب ذلك فقد أعادت الاستراتيجية الجديدة توجيه الموارد العسكرية والدبلوماسية بشكل كبير بعيداً عن الشرق الأوسط، وركّزت بدرجة أقل على أفريقيا.

من ناحية أخرى، تصدرت أمريكا اللاتينية جدول أعمال الولايات المتحدة في تحوّل جذري عن دعوتها تاريخياً للتركيز على آسيا في مواجهة صعود الصين، لكن من دون اعتبار هذا الأخير يمثل خطراً وجودياً.

وهذه الوثيقة طُرِحت لأجل أن تكون" أمريكا أولاً" كما ذكر ترامب في التمهيد، مع رفضها الانفراد بموقع القوة العظمى، وتأكيدها على التوفق في الأمريكتين، والتركيز على مكافحة الهجرة الجماعية، وعصابات المخدرات.

في القراءة الأولية ـ إلى أن يتم تطبيقها ـ تَشِي الوثيقة باستمرار الرئيس ترامب في سياسته، مستنجداً برؤى من سبقوه، ورغم أن هذا يعدُّ عودة إلى الماضي محفوفة بالمخاطر، إلا أنه يراهن عليه من منطلق أن القوة تسهم في صناعة السلام والانكفاء على الذات والسيطرة على العالم من دون تكاليف، في سعي مدروس ــ لكنه غير مضمون النتائج ـ يسابق الزمن لتحقيقه خلال مدة حكم ترامب، بداية من العام الحالي 2026.