تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، واحدة من أكثر موجات الاحتجاج اتّساعاً وحدّة، فبعد أن انطلقت شرارة الغضب من قلب بازار طهران احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، سرعان ما تحوّلت التحركات الشعبية إلى انتفاضة سياسية صريحة تطالب بإسقاط النظام، غير أن التفاعل الدولي مع هذه التطورات لم يكن متجانساً في الغرب، لا سيّما في فرنسا، حيث أعلنت قيادات من حزب "فرنسا الأبية" بزعامة جان-لوك ميلونشون، دعمها لما وصفته بـ"نضال الشعب الإيراني".
لكنّ هذا الدعم، أثار في المقابل موجة انتقادات حادة من معارضين إيرانيين رأوا فيه موقفاً ملتبساً، بل ومتناقضاً مع سجل الحزب ومواقفه السابقة من النظام الإيراني وحلفائه الإقليميين.
وبحسب مجلة "ماريان"، فإن عدداً من النشطاء الإيرانيين اعتبروا أن هذا التضامن يفتقر إلى المصداقية، إذ يصدر عن قوى سياسية طالما خفّفت من "الطابع القمعي" للنظام في طهران، ورفضت توصيف حركات مسلحة مدعومة منه، كتنظيمات إرهابية.
إيران أولاً
وكما جاء في المجلة الفرنسية، فإن ما بدأ كتحرّك احتجاجي ضد الغلاء وسوء الأوضاع الاقتصادية، سرعان ما تحوّل إلى حركة سياسية واضحة المعالم من خلال رفع الشعارات التي عبّرت عن رفض جذري لعقيدة النظام وسياساته الإقليمية.
هتاف "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران" شكّل إعلاناً صريحاً لرفض إنفاق موارد البلاد على دعم حركات مسلحة خارج الحدود، في وقت يرزح فيه الإيرانيون تحت وطأة العقوبات، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية. هذا الشعار، في حدّ ذاته، مثّل قطيعة رمزية مع الخطاب الرسمي الذي يربط شرعية النظام بدوره الإقليمي، ويكشف عن تصدّع عميق بين السلطة وقاعدتها الاجتماعية.
وعلى الرغم من أن زعيم اليسار الفرنسي جان-لوك ميلونشون، رأى في الاحتجاجات، دليلاً على "فشل سلطة دينية في إدارة مجتمع متطور"، إلا أنه سرعان ما حمّل إسرائيل، وتحديداً جهاز الموساد، مسؤولية ما سماه بـ"تأجيج التوترات" عبر إعلان دعم المحتجّين. وهو ما اعتبره منتقدون تحويلاً للأنظار عن جوهر الحركة الاحتجاجية، التي لم تنطلق رداً على موقف خارجي، بل نتيجة رفض داخلي عميق لسياسات النظام، وعقيدته الأيديولوجية، وتدخله المكلف في صراعات إقليمية، بحسب محللين فرنسيين.
تناقض غريب!
المفارقة اللافتة تمثّلت في الترحيب الضمني الذي أبداه الإعلام الإيراني الرسمي بمواقف ميلونشون الذي حظي بتغطية إيجابية في وسائل إعلام قريبة من المرشد الأعلى الذي سبق أن أشاد بدوره بنواب اليسار الفرنسي. هذا التلاقي، في نظر معارضين إيرانيين، يطرح سؤالاً جوهرياً "كيف يمكن لنظام يواجه ثورة شعبية تطالب بإسقاطه أن يُثني في الوقت ذاته على سياسيين غربيين يعلنون دعمهم لتلك الثورة؟".
ولم يقتصر الجدل على ميلونشون، فقد اختزل نواب آخرون من حزبه، مثل توماس بورتس ومانويل بومبارد، الانتفاضة الإيرانية في بُعدها الاقتصادي، معتبرين أنها حراك ضدّ الغلاء أو حتى "ثورة ضدّ الرأسمالية"، وهو ما قوبل برفض واسع من ناشطين ومثقفين إيرانيين.
مطالب صريحة
وفي تحليل نشرته مجلة "ماريان"، تؤكد الكاتبة والناشطة الإيرانية المقيمة في فرنسا، مونا جعفريان، أن شعارات الشارع الإيراني اليوم لا تترك مجالاً للالتباس، فالمتظاهرون يهتفون بسقوط الجمهورية الإسلامية، ويدعون إلى إسقاط المرشد الأعلى، بل يطالبون صراحة بعودة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، باعتباره رمزاً بديلاً للنظام القائم.
وتشدد جعفريان على أن غياب أي شعارات اقتصادية بارزة دليل قاطع على أن الحراك تجاوز منذ أيامه الأولى المطالب المعيشية، وهي تربط بين هذه الانتفاضة وحراك 2022، معتبرة أن الإيرانيين تعلّموا من التجربة السابقة، وباتوا اليوم أكثر وضوحاً في تحديد مطالبهم وقيادتهم، وأكثر تنظيماً على مستوى الشارع.
الاقتصاد لا يفصل عن السياسة!
وفي حوار مع صحيفة "ليبراسيون"، تؤكّد عالمة الاجتماع والسياسة مهنـاز شيرالي أن الفصل بين البُعدين الاقتصادي والسياسي في الاحتجاجات الإيرانية يمثّل خطأ في الفهم، فـ"الغضب الاجتماعي يتغذّى من مصدر واحد".
وتوضح أن الشرارة الأخيرة انطلقت من بازار طهران، الذي لا يعدّ فقط مركزاً حيوياً للتجارة والمال، بل أيضاً بنية تاريخية للاحتجاج لعبت أدواراً مفصلية في محطات كبرى من تاريخ إيران.
وتشير شيرالي إلى أن الاحتجاج على غلاء المعيشة هو في جوهره فعل سياسي، لأن المطالبة بتحسين شروط الحياة تعني تلقائياً السعي إلى الحرية والكرامة. ويتفق مع ذلك كل من المحللتين في "لو موند" كلير جاتينوا وغزال غولشيري، حيث تتداخل برأيهما بوضوح الاحتجاجات الاقتصادية مع شعارات سياسية بعد أن هزّت النظام حركة اجتماعية قويّة للتجار انضم إليها فئات كثيرة من الشعب.
ويفسّر خبراء فرنسيون تردد السلطات الإيرانية في اللجوء إلى القوة بخوفها من استغلال إسرائيل لأي عنف داخلي ذريعة للتدخل، خصوصاً بعد حرب صيف 2025. وذلك بينما عمق عجز الرئيس مسعود بزشكيان واعترافه بعدم امتلاكه أدوات الحل من فقدان الثقة الشعبية. وبرأيهم، فإن الانتفاضة الراهنة لا تكشف فقط ضعف النظام، بل تفضح أيضاً ازدواجية الخطاب لدى بعض القوى السياسية الغربية، التي ترفع شعار دعم الشعوب، لكنها تتردد في القطيعة الواضحة مع الأنظمة التي تقمعها.