يرى الكاتب نايجل غرين أن دلالة الأزمة الفنزويلية الراهنة، عقب العملية العسكرية الأمريكية، التي أسفرت عن القبض على رئيس البلاد نيكولاس مادورو في كراكاس، لا تتوقف عند براميل تُفقد أو أسعار ترتفع، بل عند من يمسك بمفاتيح الوصول.
وأضاف الكاتب أن النفوذ هنا لا يعني إدارة تشغيلية مباشرة، بقدر ما يعني تأثيراً يُمارَس عبر منظومة العقوبات، وتراخيص التصدير، ومسارات الشحن، والقنوات المالية والدبلوماسية.
أمريكا: حارس بوابة الخام الفنزويلي
وقال إن النفط الفنزويلي بات، عملياً، داخل إطار تتحكم فيه الولايات المتحدة بقدرة حاسمة على حراسة البوابة، عبر الحظر، وأنظمة الترخيص، والتحكم في سلاسل الشحن والتمويل. وتابع الكاتب: إن هذا نفوذ بلا إدارة، لكنه نفوذ فعّال يحدد من يشتري النفط، وبأي شروط، وبأي قدر من الاستمرارية.
وأوضح الكاتب أن قطاع النفط في فنزويلا يعاني تراجعاً هيكلياً منذ سنوات، وأن الإنتاج هبط إلى نطاق يقارب مليون برميل يومياً وفق تقديرات تتغير شهرياً. وأضاف أن هذا الحجم هامشي عالمياً ويمكن للأسواق امتصاصه، وهو ما يفسر بقاء الأسعار ضمن حدود محتملة رغم الاضطرابات. لكنه شدد على أن استراتيجيات الطاقة لا تُبنى على السعر اللحظي، بل على الوصول وقت الضغط والأزمات.
الصين.. عقود بمليارات
وسلّط الكاتب الضوء على انكشاف الصين بوصفه المثال الأوضح لتبدّل قواعد اللعبة. وقال إن بنوك السياسة الصينية وشركات الطاقة المملوكة للدولة ضخت عشرات المليارات في فنزويلا خلال عقدين، عبر قروض مرتبطة بالنفط ومشروعات في المنبع واستثمارات بنى تحتية. وأضاف أن تلك الرهانات قامت على فرضية الاستمرارية، حتى في زمن الاضطراب السياسي.
غير أن الكاتب تابع موضحاً أن تراجع الإنتاج، وإخفاقات الحوكمة، وإعادة التفاوض المتكررة أضعفت تلك الفرضية قبل الأزمة الحالية. ثم تأتي طبقة جديدة من عدم اليقين: إذ أصبحت الحقوق التعاقدية أدنى من إطار تنظيمي تتحكم به جهة خارج بكين، ما يحوّل الانكشاف الفنزويلي، من منظور إدارة المخاطر، إلى ملف ينبغي تحجيمه لا توسيعه.
وقال الكاتب إن تجربة الهند تختلف في الشكل لكنها تتقاطع في النتيجة. فالمصافي الهندية، بحسب ما أورد، كانت تشتري الخام الفنزويلي الثقيل ببراغماتية عندما تسمح الجدوى الاقتصادية ومتطلبات الامتثال. وأضاف أن فنزويلا كانت في مرحلة ما مورّداً مهماً لمنظومة تكرير هندية معقدة، قبل أن تقود مخاطر العقوبات وعدم وضوح السياسات إلى تراجع الإمدادات بصورة حادة، وأن الإجراءات الأميركية الأخيرة عززت هذا الاتجاه.
وتابع الكاتب: في إطار مُشكّل أميركياً، قد تبدو الأسعار أكثر شفافية، لكن مرونة الخيارات تتناقص، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للخام الفنزويلي مقارنة بمناطق لا يمر فيها الوصول عبر مركز قرار خارجي.
التنويع يفقد معناه
وأوضح الكاتب أن الفكرة التقليدية لاستراتيجية الطاقة في آسيا تقوم على تنويع المناطق والأنظمة السياسية لتقليل الهشاشة. وأضاف أن فنزويلا كانت تخدم هذا الهدف لأنها تعمل جزئياً خارج التحالفات التي ترسم تدفقات النفط عالمياً. لكن حين يختفي هذا الاستقلال تختفي معه فائدة التنويع: فالنفط الفنزويلي لا يقلل مخاطر التركّز، بل قد يزيد التعرض لمركز سياسة واحد.
وتابع أن هناك إشارة تخصيص رأسمال”ضمن هذا التحول: فالتأثير الأمريكي قد يفرض على القطاع الفنزويلي مع الوقت قواعد امتثال أوضح وانضباطاً تشغيلياً أعلى، ما قد يرفع الكفاءة. لكنه في المقابل يقلص المرونة غير الرسمية التي كانت تغري بعض الشركاء الآسيويين، مثل ترتيبات التمويل المصممة خصيصاً وشروط الإمداد المتفاوض عليها سياسياً. والنتيجة، وفق الكاتب، أن العائد يصبح أقل تميزاً بينما تتضاعف القيود.
درس يتجاوز فنزويلا
وقال الكاتب إن الملاحظات لا تقف عند حدود فنزويلا، بل تمتد إلى كيفية مراقبة الحكومات والشركات الآسيوية لسرعة انتقال السيطرة على الأصول الاستراتيجية، وطريقة التعامل مع العقود أثناء التحولات السياسية، ومدى تغليب السياسة الخارجية على المنطق التجاري. وأضاف أن هذه الدروس سترسم قرارات استثمارية لاحقة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا ومناطق أخرى غنية بالموارد، حيث تصبح الوفرة بلا “متانة مؤسسية” محل خصم أعلى في التقييم.
وخلص الكاتب إلى مفارقة لافتة: فنزويلا تملك احتياطيات كبيرة، وآسيا هي مركز نمو الطلب العالمي، وكان يفترض اقتصادياً أن تكون العلاقة محورية. لكن استراتيجياً، يرى الكاتب أنها باتت هامشية. ويرجح أن تأتي الاستجابة الآسيوية تدريجية وهادئة: لا قرارات صاخبة، بل إعادة وزن للمحافظ، مع تدفق رأس المال نحو مورّدين يوفرون قابلية التنبؤ، وعمقاً مؤسسياً، وعزلاً عن صدامات القوى الكبرى.