في وقتٍ يشهد فيه العالم جدلًا متصاعدًا حول حدود حرية التعبير على المنصات الرقمية، نجحت دولة الإمارات في بناء نموذج تشريعي متوازن، يجمع بين تشجيع صناعة المحتوى وتنظيمه قانونياً، بما يحفظ حرية الإبداع من جهة، ويحمي المجتمع من الفوضى الرقمية من جهة أخرى.
هذا التوازن لم يأتِ صدفة، بل استند إلى منظومة قوانين واضحة، شكّلت بيئة جاذبة لصنّاع المحتوى والمؤثرين من مختلف أنحاء العالم.
وأوضح إيهاب النجار، محامي ومستشار قانوني، أن الإمارات اعتمدت 4 مسارات تشريعية رئيسية لتنظيم المحتوى الإعلامي والرقمي، ركّزت فيها على السلوك والممارسة أكثر من تقييد الأفكار والآراء.
قانون تنظيم الإعلام
وقال: "المرسوم بقانون اتحادي رقم (55) لسنة 2023 شكّل حجر الأساس في تنظيم المشهد الإعلامي الإماراتي، حيث وحّد المرجعية القانونية لجميع أنواع الإعلام، بما فيها المحتوى الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي".
وذكر النجار أن القانون يعد نقلة نوعية، إذ اعترف بصناعة المحتوى الرقمي كجزء من النشاط الإعلامي، وأتاح الترخيص لصناع المحتوى والمؤسسات الإعلامية ضمن إجراءات واضحة. وفرض معايير مهنية موحّدة دون التدخل في طبيعة الرأي أو الفكرة، وبذلك، وفّر القانون مظلة قانونية تحمي صانع المحتوى، وتمنحه صفة مهنية معترفًا بها.
معايير المحتوى الإعلامي
وأضاف المستشار القانوني، أن المجلس الإماراتي للإعلام كان له أيضاً دور مهم، حيث وضع معايير وأطر محددة وعلنية تحكم المحتوى، تركز على ما يُعدّ ضارًا لا على ما هو مختلف في الرأي، ومن أبرز هذه المعايير حظر خطاب الكراهية والتحريض والعنف واحترام القيم المجتمعية والثقافية، وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية، والفصل الواضح بين المحتوى الإعلامي والإعلاني.
وذكر أن هذه المعايير أسهمت في خلق بيئة مهنية واضحة، يعرف فيها صانع المحتوى حدوده وحقوقه دون خوف من تفسيرات متغيّرة.
قانون مكافحة الشائعات
وأشار إيهاب النجار أنه في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر المنصات الرقمية، جاء المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 لحماية المجتمع من الأخبار الكاذبة والتضليل الرقمي، دون أن يمسّ حرية التعبير المشروعة.
وينظم القانون بحسب النجار، تجريم نشر الشائعات والأخبار غير الصحيحة، ومنع الإساءة والتشهير والابتزاز الإلكتروني وحماية الأمن المجتمعي والنظام العام. ويُنظر إلى هذا القانون بوصفه ضابطًا للسلوك الرقمي، لا أداة لتقييد الآراء أو النقاش العام.
تنظيم الإعلانات عبر المؤثرين
وحول نظام تصاريح الإعلان، قال المحامي والمستشار القانوني إيهاب النجار أن الإمارات استحدثت نظامًا خاصًا بالمحتوى الإعلاني الذي يقدمه المؤثرون، بهدف حماية الجمهور وتنظيم السوق، دون التدخل في المحتوى الشخصي أو الإبداعي غير المدفوع.
ويُلزم النظام الإفصاح عن المحتوى الإعلاني بوضوح وتسجيل المؤثرين والجهات الإعلانية رسميًا والالتزام بمعايير الإعلان وعدم التضليل. وقال النجار "هذا التنظيم أسهم في تحويل التأثير الرقمي إلى نشاط اقتصادي منظم، يعزز الثقة بين الجمهور وصناع المحتوى".
نموذج متوازن
ولفت النجار إلى أن هذه القوانين، أرست في الإمارات نموذجًا يقوم على حرية محتوى مسؤولة لا فوضوية. وتنظيم واضح لا غامض. وحماية المبدع والجمهور في آنٍ واحد. وتحويل المحتوى الرقمي إلى صناعة مستدامة.
وقال: "بينما تتجه الأنظار إلى الفعاليات العالمية مثل قمة المليار متابع في دبي، يبرز هذا الإطار القانوني كأحد أهم أسباب تحوّل الإمارات إلى حاضنة إقليمية وعالمية لصنّاع المحتوى، حيث تُمارس الحرية ضمن قانون، ويُشجَّع الإبداع ضمن مسؤولية.
