كان المؤسس الأول للقيادة الرشيدة الشيخ زايد بن سلطان بن نهيان رحمه الله واحداً من ذوي العبقريات القيادية داخل الدولة، تلك العبقريات التي ما تزال تمد شرايين الحياة للقيادة الوطنية والملهمة. وقد اتسمت القيادة السياسية منذ ذلك الحين بروح المسؤولية الأخلاقية والمواطنة الصالحة، وهما يمثلان عقيدة إماراتية ثابتة، لا تفريط فيها ولا تهاون مع من يحيد عنها. وهذا مما يلخص المعنى والمغزى لفن الدهاء والحكمة في الإمارات، كما يشكل مصدراً مهماً للعقل العربي وإثراءً ثقافياً للوجود الإنساني بشكل كبير، وتعزيز التنمية والرخاء والازدهار المستدام لمصلحة جميع شعوب المنطقة والعالم.
وتتوالى مسيرة المؤسس وتستمر خطاه المباركة، فها نحن اليوم نرى رجال زايد يظهرون فلسفة القيادة وفنونها، مثل رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، ما يظهر بجلاء وألمعية المشيخة آل نهيان الفذة. وهذا يجعلنا نعيد الذاكرة الوطنية إلى فن الحكمة الرشيدة، لتستلهم منها الذائقة الوطنية، لتمكين المواطن من مقومات القوة الناعمة ونشر الإرث الإنساني والأخلاقي والحضاري.
وتظهر هذه العبقرية بجلاء في الكثير من المواقف والأحداث التاريخية، ما يعمق تجربة الإمارات الفريدة في ترسيخ مكانتها لتصبح وجهة عالمية لإطلاق المبادرات الحضارية لدعم ثقافة التسامح والتعايش ونبذ الكراهية والتعصب والعنصرية، وتعزيز التطور الاقتصادي والتنمية المستدامة، والتقدم التكنولوجي والحضاري على كل الأصعدة، بل ونشر القيم الإنسانية العليا حول السلام والعدالة والإخاء.
والحقيقة أننا ما كنا لننجح في نشر الإخاء العالمي وترسيخ مبدأ الأخوة الإنسانية بغية خلق تيار سلام قوي يقاوم تيار العنف لولا هذه المشيخة الحكيمة والثقافة الإنسانية لدولة الإمارات، ولولا نجاحها في إيصال أفكارها المتقدة وثمارها الطيبة إلى الآفاق. ولما كان هناك هذا المشروع التاريخي الذي يترقبه الجميع من المبادرات الحضارية الإماراتية، وربط السلام بالتنمية والإعمار والازدهار، وترسيخ الدبلوماسية الإنسانية، لخلق تيار عالمي من أجل تحالف وتعارف حضاري وثقافي، وإيجاد أرضية مشتركة بين المجتمعات الإنسانية، وإقامة مؤتمرات لحوار الأديان بين المؤمنين بالسلام العالمي.
كما أن دور الدبلوماسية القيادية لسمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة يتجلى في الكثير من المظاهر الدبلوماسية التي تجاوزت مراحل غير عادية في التنسيق والتعاون والنضج والحكمة في التعاطي مع الأحداث الجسام.
ومن اللافت والمثير للإعجاب والانبهار أن جميع من في سدة الحكم من القادة الحكماء يحملون مسؤولية صون أمانة زايد على كواهلهم الكريمة، وهي فكرة ثابتة في العقل الجمعي الوطني. ولا عجب حينما ينطلق المتفائل من مسلمة مفادها أن الإمارات تمثل القوة الأكثر تأثيرا وجاذبية، والأكثر قبولًا من كل الأطراف المعنية العالمية، فالشواهد كثيرة على الثقة الدولية المتعاظمة والمصداقية التي تحظى بها القيادة السياسية الإماراتية النزيهة في حل الصراعات الشائكة، وهذا ليس أمراً سهلاً في منطقة تفتك بها الحروب وتنتشر بها القلاقل، ويشل العجز معظم حكوماتها.
وقد انعكس الواقع الراهن على المجتمع الإماراتي من خلال كثير من التحديات لهذا الرهان على المستقبل، ليس نفطاً أو إنجازاً معمارياً أو تقدماً مادياً فحسب، بل هو عقول الرجال وتأهبهم لأن يكونوا على أهبة الاستعداد بالتسلح بالعلم ومواكبة العصر، وجودة التعليم ومخرجاته للتأثير في صناعة المستقبل بعد "نهاية النفط" وقلة موارد الطاقة. ومن الآن تعد حكومتنا الرشيدة بالجاهزية للقيام بهذه المهمة مستقبلا، ليصبح مزاجاً عاماً لشريحة كبيرة من المواطنين، ولا بد أن تعتمد على تطوير المهارات التثقيفية والتعليمية والأدائية للشباب الصاعد.
ومن حسن الطالع أن حكمة الشيخ محمد بن زايد تأتي في مرحلة فارقة من عمر الزمن، لتشكل منعطفاً مهماً للمنطقة وفرصة سانحة للتشاور حول الملفات الساخنة التي تهدد الأمن والاستقرار في العالم أجمع، وبالأخص القضايا التي تصب لمصلحة شعوب المنطقة وتطلعاتها إلى التنمية والأمن والسلام.
ولعل هذا الترحاب وتلك الحفاوة الدولية لسموه في كل مكان يترجم مكانة الإمارات الدولية المتميزة التي تحتلها وقدرتها على انتزاع الاحترام والتقدير على كل الأصعدة، كما تحظى مواقفها ودبلوماسيتها وسياستها الخارجية بالثقة والتقدير الدوليين. وقد حققت هذه السياسة نجاحات باهرة، واستطاعت الإمارات العمل على حل النزاعات الإقليمية بالحوار والطرق السلمية، والوقوف إلى جانب قضايا الحق والعدل، من خلال التدخل العسكري ما دام يسهم في دعم الاستقرار والسلم الدوليين، حتى تنعم دولها وشعوبها بالسلام والتنمية والازدهار.
والحمد لله أن الصورة اتضحت أكثر اليوم، إذ نجحت الدبلوماسية الإماراتية في أن ترسخ أقدامها، وتحقق حضوراً كبيراً وقبولاً دولياً، أثمر عن إقامة شراكات استراتيجية سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية وعلمية، ما عزز المكانة المرموقة التي تتبوأها في المجتمع الدولي، وأسهم بشكل أو بآخر في العمل على بلورة استراتيجية إماراتية محددة، تلك الاستراتيجية التي تسعى حثيثا للتعامل مع المتغيرات التي تعيشها المنطقة العربية بحكمة عالية ورؤية متوازنة، وتدحض كل الشائعات المغرضة في ظل أوضاع إقليمية متفاقمة وتطورات دولية متسارعة، بل وحتى تحالفات عالمية غير مستقرة.
حفظ الله الشيخ محمد بن زايد، ودامت حكمته تصب في مصلحة الإمارات وشعبها، ودامت الإمارات قيادة وشعبا وحكومة.