في خضم الأزمات الدولية المتلاحقة، يعود إلى الواجهة مجدداً سؤال طالما أثار الجدل في واشنطن والعواصم الكبرى: هل يُعدّ تغيير الأنظمة السياسية وسيلة ناجعة لتحقيق الاستقرار وحماية المصالح؟ ريتشارد هاس، أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية الأميركية، يعود إلى سجلّ طويل من التجارب الأميركية، ليؤكد أن الدعوة إلى تغيير الأنظمة غالباً ما تكون أسهل بكثير من إنجاحها على أرض الواقع، وأن التاريخ الحديث حافل بالدروس القاسية التي ينبغي عدم تجاهلها.
سجل ثقيل من الإخفاقات
قال ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي ودبلوماسي سابق، في مقاله بموقع مجلة "فورين أفيرز"، إن القناعة السائدة خلال العقد الأخير تقوم على أن محاولات الولايات المتحدة المباشرة لتغيير الأنظمة انتهت إلى كوارث، وهي قناعة لم تأتِ من فراغ. ففي أفغانستان، عادت حركة طالبان إلى الحكم عام 2021 بعد عشرين عاماً من الجهد العسكري والسياسي الأميركي. وفي العراق، أُسقط نظام صدام حسين، لكن الثمن الإنساني والاقتصادي والاستراتيجي كان باهظاً إلى حد لا يتناسب مع النتائج.
وأضاف الكاتب أن التدخل في ليبيا عام 2011، الذي قادته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، انتهى بإسقاط معمر القذافي، لكنه فتح الباب أمام الفوضى، محولاً البلاد إلى نموذج لدولة فاشلة نتيجة غياب أي خطة لمرحلة ما بعد إسقاط النظام.
الدعوة إلى التغيير وغياب ما بعده
وتابع الكاتب أن هذا السجل القاتم يجعل عودة الحديث عن تغيير الأنظمة أمراً مثيراً للدهشة. فالتاريخ يوضح أن تغيير النظام أسهل بكثير من إدارته، وأن غياب التخطيط لمرحلة ما بعد السقوط يُعد وصفة مؤكدة للفوضى. وأوضح أن على واشنطن أن تميّز بين تغيير النظام كحدث تفرضه الوقائع، وتغيير النظام كسياسة متعمدة تهدف إلى تحقيق نتائج محددة.
بين بنما وفنزويلا: تشابه خادع
أوضح الكاتب أن البعض يستشهد بالتدخل الأميركي في بنما عام 1989 كنموذج ناجح، لكن هذا القياس مضلل. فبنما كانت دولة صغيرة، ذات جيش ضعيف، وبوجود أميركي كثيف وممتد تاريخياً. ورغم ذلك، لم يكن التدخل خالياً من الخسائر والتحديات، وأسفر عن سقوط قتلى من الجنود الأميركيين وصعوبات ميدانية محرجة.
وأكد الكاتب أن هذه التجربة كانت أحد الأسباب التي دفعت إدارة جورج بوش الأب إلى الامتناع عن التقدم نحو بغداد عام 1991، إدراكاً لحدود القوة العسكرية في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية.
العراق وأفغانستان: تفاؤل زائد وسوء تقدير
وقال الكاتب إن هجمات 11 سبتمبر أعادت إحياء منطق تغيير الأنظمة، بدءاً من أفغانستان ثم العراق. ففي الحالة العراقية، وقعت إدارة جورج بوش الابن في فخ التفاؤل المفرط، واستخفّت بتعقيدات مجتمع منقسم، كما ارتكبت أخطاء جسيمة، أبرزها حل الجيش العراقي وخلق فراغ أمني وسياسي واسع.
وأضاف الكاتب أن أفغانستان والعراق شكّلتا مثالين صارخين على كلفة بناء الدول، من حيث الأرواح والأموال، مع نتائج متواضعة في أحسن الأحوال.
ليبيا: إسقاط بلا بناء
وتابع الكاتب أن التدخل في ليبيا كشف درساً مغايراً: لا تُسقط نظاماً إن لم تكن مستعداً لتحمّل مسؤولية ما بعده. فبينما بالغت واشنطن في تدخلها بالعراق، قصّرت بشكل فادح في ليبيا، ما قاد إلى انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى.
غزة وإيران وفنزويلا: عودة الإغراء القديم
أشار الكاتب إلى أن فكرة تغيير الأنظمة عادت لتُطرح في سياقات جديدة، أبرزها فنزويلا وغزة وإيران. ففي فنزويلا، يرى الكاتب أن ما جرى لا يرقى إلى تغيير نظام كامل، بل إلى إعادة ترتيب داخل السلطة، مع تركيز أميركي على المصالح النفطية وتقليص نفوذ خصوم واشنطن.
وفي غزة، أوضح الكاتب أن السعي لإزاحة حماس يفتقر إلى رؤية سياسية بديلة، إذ لا يمكن إنجاح تغيير النظام دون مسار لبناء سلطة جديدة تحظى بالقبول الشعبي.
أما إيران، فتمثل حالة معقدة، حيث يأتي الضغط من الداخل نتيجة أزمات اقتصادية وسياسية، فيما يبقى التدخل الخارجي محفوفاً بمخاطر ردّات الفعل القومية وتعقيد المشهد الداخلي.
بين الفعل ورد الفعل
خلص الكاتب إلى أن على واشنطن أن تميز بدقة بين السعي النشط لتغيير الأنظمة، وبين الاستجابة لتغييرات داخلية تفرضها ديناميات المجتمعات نفسها. فالتاريخ، بحسب الكاتب، يثبت أن الفرص الأكثر نجاحاً تأتي عندما تدعم الولايات المتحدة تحولات داخلية قائمة، لا عندما تحاول فرض التغيير بالقوة.
درس التاريخ الذي لا ينبغي تجاهله
أكد ريتشارد هاس في ختام مقاله أن تغيير الأنظمة يجب أن يبقى خياراً نادراً، لا يُلجأ إليه إلا بعد الإجابة بوضوح عن أسئلة جوهرية تتعلق بالجدوى، والكلفة، والبدائل، والاستعداد لتحمّل التبعات طويلة الأمد. والأجدى، برأي الكاتب، أن تركّز الولايات المتحدة على دعم التحولات الداخلية عندما تنضج ظروفها، بدلاً من محاولة صناعتها بالقوة.
المصدر: