تصادف اليوم ذكرى ميلاد الناقد الأدبي والأكاديمي المصري محمود بخيت الربيعي، المولود في 15 يناير (كانون الثاني) 1932، والذي يُعد واحداً من أبرز رموز النقد الأدبي في العالم العربي.
وُلد الربيعي في بلدة جهينة بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، ونشأ في أسرة بسيطة، وتلقى تعليمه الأولي في الكتّاب والمدارس الإلزامية والمعاهد الدينية في سوهاج وأسيوط والقاهرة.
ومنذ طفولته، أبدى ميلاً واضحاً إلى الأدب والشعر، ونشر في شبابه قصائد في عدد من الصحف، من بينها «الزمان» و«الأهرام»، قبل أن يتجه لاحقاً إلى مجال النقد الأدبي، الذي سيشكّل لاحقاً ملامح مسيرته الفكرية والأكاديمية.
وحصل الربيعي على الشهادة الثانوية عام 1954، ثم التحق بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة، ونال درجة الليسانس بمرتبة الشرف عام 1958. وبعدها واصل دراساته العليا في جامعة لندن، حيث حصل على درجة الدكتوراه عام 1965 عن رسالته الموسومة بـ«الكاتبات والنقد في مصر الحديثة».
وفي بداية حياته المهنية، عمل معيداً ثم مدرساً، قبل أن يُعيَّن أستاذاً في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بين عامي 1960 و1986، في قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن.
من التدريس إلى النقد والترجمة
لاحقاً، انتقل الربيعي للتدريس في عدد من الجامعات خارج مصر، من بينها جامعة الجزائر وجامعة الكويت، إضافة إلى الجامعة الأميركية في القاهرة. كما شغل عضويات متعددة في مؤسسات ثقافية، من بينها مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث انتُخب عضواً فيه عام 2008، ثم نائباً لرئيسه، إلى جانب مشاركته في لجان ثقافية مختلفة، ولجان ترقية الأساتذة، والمجالس الثقافية العليا، والاتحاد العام للكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة.
وترك الربيعي بصمة واضحة في مجال التأليف النقدي، إذ صدر له عدد كبير من الكتب، من أبرزها: «في نقد الشعر» (1968)، «قراءة الرواية: نماذج من نجيب محفوظ» (1973)، «نصوص من النقد العربي» (1977)، «مقالات نقدية» (1978)، «قراءة الشعر» (1983)، و«من أوراقي النقدية» (1996)، إلى جانب أعمال أخرى.
كما اهتم بالترجمة، فترجم عدداً من الكتب، من بينها «الصوت المنفرد» لفرانك أوكونور، و«تيار الوعي في الرواية الحديثة»، و«حاضر النقد الأدبي».
وفي مجال السيرة الذاتية، أصدر كتباً منها: «في الخمسين عرفت طريقي»، «بعد الخمسين»، و«بعد التسعين»، تناول فيها تجاربه وذكرياته مع اللغة والأدب والأصدقاء والعائلة.
علم وفن
ويتميّز أسلوب الربيعي النقدي بمنهج يجمع بين التحليل اللغوي العميق والفهم الشامل للنص الأدبي، مؤكداً أن النقد علم وفن في آن واحد. وكان يرى أن دور الناقد يتمثل في أن يكون صديقاً للقارئ ومرآةً واضحة للنص، لا حكماً يصدر أحكاماً مسبقة، وأن يمنح العمل الأدبي حقه الكامل في الفهم والتحليل قبل أي تقييم.
وتأثر الربيعي في فكره النقدي بتيار «النقد الجديد»، ولا سيما كتابات ت. س. إليوت، وسعى إلى المزج بين الثقافة النقدية العربية والتقنيات الحديثة في التحليل، مع الحفاظ على خصوصية السياق الثقافي العربي.
وتتسم لغته بالرصانة والعمق والغنى المعرفي، مع ابتعاد واضح عن التعقيد غير الضروري، واحترام كبير للغة العربية وجمالياتها.
منهج نقدي جديد
ومن أبرز إنجازات الربيعي إدخال منهج نقدي قائم على التحليل العميق للنصوص والمقاربة العلمية، إلى جانب إشرافه على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه. وكان له تأثير ملموس في أجيال من طلبة النقد، وحضور دائم في الندوات والحوارات الثقافية، والمعارض الكبرى، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب.
كما عمل محاضراً في جامعات عربية وعالمية، وأسهم في نقل التجربة النقدية المصرية إلى فضاءات أكاديمية وثقافية متنوعة.
ويُوصَف محمود بخيت الربيعي بأنه «رمز كبير من رموز النقد في العالم العربي»، وصاحب صوت نقدي مميز ترك أثره في أجيال متعددة. وقد حظيت كتاباته باهتمام واسع في فعاليات ثقافية كبرى، ويعدّه بعض الباحثين من أبرز من أسهموا في إثراء التجربة النقدية العربية المعاصرة، لا سيما في مسارها التطبيقي.
ولم يكتفِ الربيعي بالتحليل الفني للنصوص، بل شدّد في أعماله وحواراته على أهمية الربط بين اللغة العربية والهوية الثقافية، محذّراً من استيراد النظريات النقدية الغربية دون تكييفها مع السياق العربي.
ومحمود بخيت الربيعي ليس ناقداً أكاديمياً فحسب، بل يُعد جسراً بين التراث النقدي العربي والحداثة النقدية الغربية، جمع بين التحليل اللغوي والرؤية الإنسانية للنص، وجعل من النقد أداة لفهم الإنسان والثقافة، تاركاً إرثاً فكرياً ونقدياً دائماً في الدراسات الأدبية العربية.