يرى الكاتب الأميكي نيجر إنيس أن الحرب الأهلية في السودان لن تجد طريقها إلى السلام، ولن تبدأ مرحلة الانتقال المدني الحقيقي، ما لم يواجه السودانيون والمجتمع الدولي مشكلة  تنظيم الإخوان الإرهابي في صلب النظام الحاكم. وأكد إنيس في مقاله بموقع مجلة "ناشونال إنترست"، أن الصراع الدائر ليس مجرد مواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل هو، في جوهره، امتداد لمحاولة تنظيم الإخوان الإرهابي السيطرة على مؤسسات الدولة وإعادة إنتاج نفوذه السياسي والأمني.

ثنائية مضللة تخفي الحقيقة

وقال الرئيس الوطني لمنظمة مؤتمر المساواة العرقية (CORE)، وهي أول منظمة يقودها أميركيون من أصول أفريقية تعترف بها الأمم المتحدة. يشغل حالياً عضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، وهو أيضاً الرئيس المشارك لتحالف «الطاقة الميسورة»، في مقاله، إن التحليلات الغربية للحرب الأهلية السودانية ما زالت أسيرة تصور خطير ومضلل، يقوم على اختزال الصراع في مواجهة ثنائية بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع. وأضاف الكاتب أن هذا السرد المبسّط قد يصلح للعناوين الإخبارية، لكنه يحجب التوزيع الحقيقي للسلطة داخل الدولة السودانية.

وتابع الكاتب أن النزاع الحالي لا يمكن فهمه على أنه صراع بين تشكيلين عسكريين متنافسين فحسب، بل هو المرحلة العملياتية الأحدث في مساعي تنظيم الإخوان الإرهابي "الخبيثة"، على حد تعبيره، للهيمنة على مؤسسات الدولة كلما وأينما استطاعوا. بل إن هذا التنظيم أصبح في كثير من الوجوه جزءاً بنيوياً من النظام نفسه.

تحالف بنيوي لا تكتيكي

وأوضح الكاتب أن وسائل الإعلام والأحزاب المحسوبة على تنظيم الإخوان الإرهابي صورت الحرب بوصفها معركة وجودية، رافضة أي وقف لإطلاق النار أو مفاوضات، ومقدّمة الفاعلين المدنيين والوسطاء الدوليين باعتبارهم أدوات لأجندات خارجية. وأضاف أن هذا الخطاب يخدم الطرفين: فهو يمنح البرهان قوة بشرية موالية، وتماسكاً أيديولوجياً، وعمقاً أمنياً داخلياً، فيما يوفر لتنظيم الإخوان الإرهابي الحماية والشرعية ومساراً للعودة إلى قلب الدولة.

وأكد الكاتب أن ما يجري ليس تحالفاً تكتيكياً عابراً، بل اندماجاً هيكلياً يجعل من الطرفين كياناً واحداً تقريباً، بحيث يصعب فصل مصير النظام عن مصير التنظيم.

نمط تاريخي ذو عواقب عالمية

وأشار الكاتب إلى أن هذا الاندماج يعيد إنتاج نمط تاريخي سبق أن شهده السودان في تسعينيات القرن الماضي، عندما مارس تنظيم الإخوان الإرهابي نفوذاً حاسماً على الدولة. وأضاف أن تلك الحقبة جعلت السودان أحد أكثر البيئات تساهلاً مع النشاط الجهادي العابر للحدود في العالم.

وتابع الكاتب أن نظاماً يهيمن عليه تنظيم الإخوان الإرهابي استضاف أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، حيث تمتع بحرية حركة، وإمكانية الوصول إلى رأس المال، وحماية رسمية، مشيراً إلى أن السودان استضاف عناصر من حركة "حماس" وشركات تابعة لها، بينما لعب قادة الإخوان دور الرعاة السياسيين والوسطاء.

ممر لوجستي وصراع إقليمي

وأضاف الكاتب أن السودان تحول أيضاً إلى ممر لوجستي للأسلحة المتجهة إلى غزة، بما في ذلك أسلحة إيرانية جرى تهريبها عبر الأراضي السودانية وشبه جزيرة سيناء، وهو ما أدى إلى شن ضربات إسرائيلية متكررة على أراضي السودان.

وأوضح الكاتب أن هذه العلاقات لم تكن شذوذاً أيديولوجياً، بل أدوات دولة بامتياز، تكشف كيف استثمر تنظيم الإخوان الإرهابي السيادة الوطنية لدمج الحركات المسلحة، وخطوط التمويل، والتحالفات الإقليمية في منظومة تشغيلية واحدة.

براغماتية مع إيران

وأكد الكاتب أن العلاقة البراغماتية بين تنظيم الإخوان الإرهابي وإيران تكشف المنطق الاستراتيجي الكامن وراء عودة التنظيم إلى الواجهة. وأضاف أنه رغم الخلاف السني–الشيعي، فإن التعاون كان مدفوعاً بأعداء مشتركين ومصالح متبادلة.

وأوضح الكاتب أن إيران كسبت ممراً جغرافياً يوسّع نفوذها الإقليمي، بينما حصل تنظيم الإخوان الإرهابي على أسلحة وموارد ونفوذ جيوسياسي، في معادلة قائمة على المنفعة لا على العقيدة.

عودة النفوذ تحت مظلة البرهان

وتابع الكاتب أن المنطق نفسه يحكم اليوم دور تنظيم الإخوان الإرهابي في ظل حكم البرهان. فقد أعاد قادة التنظيم تفعيل شبكاتهم الإقليمية، وسعوا للحصول على دعم تنظيمي ومالي من الخارج، وترسخوا داخل مؤسسات الجيش والأمن السودانية.

وأضاف أن هذا التعايش العضوي يفسر فشل المبادرات الدبلوماسية المتكرر، وبقاء الحكم المدني مؤجلاً إلى أجل غير مسمى. وأوضح أن أي انتقال حقيقي إلى حكم مدني يستلزم تفكيك القوة المعاد بناؤها للإخوان داخل الدولة، وهي خطوة لا يستطيع النظام الحالي النجاة منها سياسياً أو عسكرياً.

تداعيات استراتيجية على واشنطن

وأشار الكاتب إلى أن هذه الحقائق تحمل عواقب استراتيجية مباشرة لصانعي القرار في الولايات المتحدة. فحكومة يقوم جوهرها على تنظيم له سجل موثق في استضافة تنظيم "القاعدة" الإرهابي، وتمويل "حماس"، والتعاون مع إيران، وتقويض التحولات الديمقراطية بشكل منهجي، لا يمكن التعامل معها كشريك تقليدي للاستقرار.

وأضاف الكاتب أن التسوية مع هذا النظام البغيض، على حد وصفه، ليست خياراً مطروحاً، بل ينبغي مواجهته واحتواؤه وإفشاله.

السلام المؤجل عمداً

واختتم الكاتب بالقول إن حرب السودان قد تبدو ذات طرفين، لكن مشكلتها المركزية واضحة لا لبس فيها. فمع تغلغل تنظيم الإخوان الإرهابي في قلب نظام البرهان، سيظل السلام احتمالاً بعيد المنال، لا بسبب سوء التقدير، بل عن سابق تصميم.

المصدر:

https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/the-muslim-brotherhood-is-the-sudanese-regime