أصدرت هيئة أبوظبي للتراث العدد 312 (ديسمبر 2025/ يناير 2026) من مجلة "تراث"، مواصلةً دورها في العناية بشؤون الموروث الإماراتي والعربي والدولي. وتصدّر العدد ملف شامل بعنوان "رمزية السدود والأودية في الثقافة الإماراتية"، شارك فيه نخبة من الكتاب الإماراتيين والعرب عبر تسع دراسات ومقالات تهدف إلى إبراز الموروث اللغوي وإحيائه ونقله للأجيال القادمة.
شمسة الظاهري: السدود والأودية شواهد صامتة تربط الماضي بالحاضر
في افتتاحية العدد، أكدت رئيسة التحرير شمسة الظاهري أن السدود والأودية تمثل مكوناً جوهرياً في الموروث البيئي والاجتماعي للدولة، ووصفتها بأنها "منظومة متكاملة صاغت أنماط العيش وأساليب التكيف مع البيئة الصحراوية وشح المياه عبر العصور".
وأوضحت الظاهري أن الإنسان الإماراتي استثمر الأودية الموسمية قديماً ببناء سدود تقليدية، في مشهد يجسد "روح الانسجام بين الإنسان والطبيعة". كما لفتت إلى البعد الرمزي لهذه المعالم في الوجدان الجمعي، حيث ارتبط السيل بـ "بشارة الحياة" والسد بـ "الحكمة والتدبير"، مشيرة إلى حضورها القوي في الأدب الشفهي الذي شبّه السيل بـ "الضيف الكريم".
وأكدت أن هذه الرمزية تطورت في ظل قيام الدولة إلى رؤية استراتيجية لتعزيز الأمن المائي، واصفةً المشاريع العصرية بأنها "امتداد طبيعي للوعي التاريخي بقيمة الماء".
السد والوادي في الفكر والأدب الإماراتي
تضمن ملف العدد مشاركات بحثية معمقة، استهلها خالد صالح ملكاوي بمقال حول صيانة الوادي للحياة، بينما استعرض مروان الفلاسي وديان الإمارات بين التاريخ والاستكشاف. وسلطت أماني إبراهيم ياسين الضوء على جهود الشيخ زايد في إحياء التراث المائي، وتناول الأمير كمال فرج رمزية الصمود في الشعر الإماراتي.
كما قدمت مريم الزعابي دراسة سيميائية عن الوادي في المثل الشعبي، وتطرق محمد فاتح زغل إلى عبقرية الإنسان في "وادي شوكة"، فيما تناولت نجلاء الزعابي فلسفة السيول في الأمثال الشعبية، واختتم صديق محمد جوهر الملف برحلة عبر السدود والأنهار العتيقة.

رؤية الشيخ زايد وتوثيق الذاكرة الوطنية
أفرد العدد مساحة واسعة لتاريخ الدولة، حيث حللت موزة عويص الدرعي بياناً تاريخياً للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يعود لعام 1971، ووثقت فاطمة مسعود المنصوري أهمية "قصر المقام" كشاهد على فكر التنمية. كما رصد خليل عيلبوني رحلة أبوظبي "من الرمال إلى نور الحضارة".
وفي سياق التوثيق التاريخي، تناول عبد الفتاح صبري موضوع "أدلاء النور في الصحراء"، واستعرض ضياء الدين الحفناوي ذاكرة مدينة طشقند، بينما قدم محمد عبد العزيز قراءة في مخطوط قديم حول رحلة الحج، وناقشت فاطمة الشحي قلاع الإمارات كنموذج للاستدامة، واستعادت أمل حميد بالهول سيرة "الطواش عبيد النابودة".
دلالات الهوية والموروث الشعبي
استعرضت المجلة جوانب متنوعة من الثقافة الشعبية، حيث قدمت عائشة علي الغيص دراسة عن دلالات اللباس في الأمثال، وتناول عادل نيل أدب الرحلات عند سلطان العويس. وسلطت لولوة المنصوري الضوء على المعابد الهرمية، وناقشت وضحى حمدان الغريبي البيئة في الفن التشكيلي، وأبرز مروان الفلاسي دلالات المطر.
كما شمل العدد تقريراً عن تعاون الإمارات مع "اليونسكو" في إعمار جامع النوري بالموصل، وتناول قضايا أدب الطفل والوعل العربي كأيقونة جبلية، مع وقفة وفاء للشاعر الراحل عبدالله السميري، وقصة تراثية من تقديم عائشة علي الغيص.
يُذكر أن مجلة "تراث" هي مجلة تراثية ثقافية متنوعة، تصدر عن هيئة أبوظبي للتراث، وترأس تحريرها شمسة حمد العبد الظاهري، والإشراف العام لفاطمة مسعود المنصوري، وموزة عويص علي الدرعي. والتصميم والتنفيذ لغادة حجاج، وشؤون الكتاب لسهى فرج خير، والتصوير لمصطفى شعبان.
وتُعد المجلة منصة إعلامية تختص بإبراز جماليات التراث الإماراتي والعربي الإسلامي، في إطار سعيها لأن تكون نزهة بصرية وفكرية، تلتقط من حدائق التراث الغناء ما يليق بمصافحة عيون القراء.