في غزة، حيث تتقاطع الحرب مع الحصار، لا يواجه آلاف المرضى معركتهم ضد السرطان وحده، بل يخوضون أيضاً صراعاً يومياً من أجل البقاء في ظل غياب العلاج وانسداد أفق الإجلاء الطبي.
وقال تقرير لصحيفة "غارديان" أعده كل من لورينزو توندو، مراسل صحيفة البريطانية في القدس، وسهام تنتش، الصحفية الفلسطينية المتخصصة في الشؤون الإنسانية في قطاع غزة، إن آلاف المرضى الفلسطينيين المصابين بالسرطان يعيشون اليوم من دون علاج، بينما ينتظرون إجلاءً طبياً عاجلاً، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن الوضع الصحي في القطاع بلغ مرحلة كارثية غير مسبوقة. وأضاف أن قصص الألم الفردية تختصر مأساة جماعية، تتجسد في أطفال ونساء ورجال تُركوا يواجهون المرض والموت في عزلة شبه تامة.
طفل صغير في مواجهة الموت
تابع التقرير أن إسماعيل أبو ناجي كان في الثامنة عشرة من عمره فقط عندما اندلعت الحرب على غزة، وكان جسده الصغير مغطى بتقرحات متورمة ونازفة، بعد أن شُخّص قبلها بأشهر بسرطان نادر في الدم غالباً ما يكون قاتلاً إن تُرك دون علاج.
وأوضح التقرير أن عائلة إسماعيل كانت قد رتبت لنقله إلى مستشفى المقاصد في القدس لتلقي رعاية متخصصة، غير أن الحصار الذي فرضته إسرائيل عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 حال دون خروجه من القطاع.
وأضاف التقرير أن إسماعيل بات اليوم واحداً من آلاف مرضى السرطان في غزة الذين يحتاجون، وفق الأمم المتحدة، إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي العلاج المنقذ للحياة.
أدوية مفقودة ونظام صحي منهار
صحيفة "الغارديان" تحدثت إلى عشرات المرضى الفلسطينيين العالقين في غزة، حيث يؤكد الأطباء أن الوفيات المرتبطة بالسرطان تضاعفت ثلاث مرات منذ بدء الحرب.
وأضاف أن إسرائيل تواصل عرقلة خروج المرضى وتقييد إدخال أدوية العلاج الكيميائي، بينما تفوق أعداد من تم إجلاؤهم بكثير أعداد من تُركوا بلا علاج رغم حاجتهم الطبية الملحّة.
وتابع التقرير أن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل وصفت طرق الإجلاء الطبي بأنها أصبحت شبه مستحيلة، لا سيما بعد إغلاق معبر رفح في مايو 2024، معتبرة أن إسرائيل تفشل في الوفاء بالتزامها بتوفير الرعاية الصحية للسكان الخاضعين لسيطرتها.
لا مسكنات ولا أمل
أوضح التقرير أن الحصار جعل حتى أبسط المسكنات أمراً نادراً، فلم يعد أمام والدة إسماعيل، آية محمد أبو هاني، التي تعيش في خيمة داخل مدرسة، سوى محاولة تخفيف ألمه بمسح جراحه بقطعة قماش مبللة بمياه وملح.
ونقل التقرير عنها قولها: "كانت حياة إسماعيل صعبة قبل الحرب، لكنها أصبحت أقسى بعدها. لا يستطيع النوم بسبب الألم الشديد والحمى المرتفعة، ويصرخ باستمرار. تنقلنا مرات عدة من مكان إلى آخر، ما زاد حالته سوءاً. قبل الحرب، كانت المستشفيات توفر المضادات الحيوية والمسكنات، أما الآن فلا يمكنها توفير حتى مسكن واحد".
مستشفيات مدمرة وتشخيص مستحيل
أضاف التقرير أن الغارات الإسرائيلية على المستشفيات حولت النظام الصحي الفلسطيني إلى أنقاض. ففي مارس 2025 دُمّر المستشفى الوحيد المتخصص في علاج السرطان في غزة، ما أجبر الأطباء على العمل في عيادات بدائية تفتقر لأبسط الموارد.
وقال الدكتور صالح الشيخ العيد، اختصاصي أمراض الدم والأورام في مجمع ناصر الطبي بخان يونس: "وصلنا إلى مرحلة حرجة للغاية في تشخيص السرطان. الأدوات الأساسية مثل إبر الخزعات غير متوافرة. يأتي المرضى بكتل سرطانية واضحة، لكننا لا نملك الوسائل لأخذ عينات وفحصها. ونتيجة لذلك فقدنا كثيرين دون أن نتمكن حتى من تشخيصهم أو علاجهم".
وأضاف أن الموارد المتاحة لا تتجاوز 5% مما هو متوافر في مستشفيات الضفة الغربية، وأن أدوية أساسية، بينها العلاج الكيميائي، باتت على وشك النفاد.
أرقام صادمة وإجلاء متعثر
تابع التقرير أن منظمة الصحة العالمية أفادت بأن نحو 10,700 فلسطيني جرى إجلاؤهم إلى 30 دولة للعلاج منذ أكتوبر 2023، بينهم قرابة ربع من مرضى السرطان.
وأضاف أن أكثر من 11 ألف مريض سرطان في غزة ما يزالون بحاجة إلى علاج خارج القطاع، وأن 900 شخص، بينهم أطفال ومرضى سرطان، توفوا أثناء انتظار الإجلاء.
وأشار التقرير إلى أن منظمات حقوقية رفعت التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بإعادة الإجلاء الطبي فوراً للحالات الحرجة، معتبرة أن القيود الحالية تنتهك الالتزامات القانونية لإسرائيل.
كسر جدار المنع: حالة نور الدين أبو عجوة
أوضح التقرير أنه في 12 يناير سُمح للدكتور نور الدين أبو عجوة (48 عاماً)، وهو مريض سرطان فلسطيني، بمغادرة غزة لتلقي العلاج في نابلس، بعد معركة قانونية طويلة.
ونقل التقرير عنه قوله: "علمت في الشهر الثاني من الحرب أنني مصاب بسرطان القولون، إضافة إلى سرطان في الكبد والرئة. قبل عامين فقدت ابني بسبب السرطان. قاتلت طويلاً أمام المحاكم الإسرائيلية للحصول على تصريح للعلاج، ورُفض طلبي خمس مرات، لكن القاضي في النهاية أنصفني وأصر على السماح لي بالسفر. وأضاف: آمل أن أكون أول واحد من آلاف مرضى السرطان في غزة يُسمح لهم بالسفر لتلقي العلاج اللائق.
حق الحياة أولاً
خلص التقرير إلى أن مأساة مرضى السرطان في غزة لم تعد مجرد أزمة صحية، بل تحولت إلى اختبار إنساني صارخ للمجتمع الدولي. وقال التقرير إن منع الإجلاء الطبي وتقييد إدخال الأدوية لا يمكن تبريره سياسياً أو أمنياً، بل يمثل إخلالاً بواجب أساسي هو إنقاذ الأرواح. وأضاف أن قصة إسماعيل أبو ناجي تختصر وجع آلاف المرضى الذين ينتظرون قراراً قد يفصل بين الحياة والموت.
المصدر:
https://www.theguardian.com/world/2026/jan/24/i-wish-i-had-the-power-to-ease-his-suffering-gazas-cancer-patients-trapped-by-war-and-blockade