في خطوةٍ تفيض بالدلالات الرمزية والوفاء، ومع مرور عام كامل على طي صفحة النظام السوري السابق، شهدت مدينة حمص "عاصمة الثقافة والجمال" مبادرة استثنائية لإعادة صياغة هويتها البصرية والوجدانية، عبر إطلاق أسماء كوكبة من مبدعي المدينة الراحلين والأحياء على مدارسها الرسمية، في تكريم معنوي يهدف إلى غرس قيم الإبداع في نفوس الأجيال القادمة.
تعزيز الهوية الوطنية
وقد وجد هذا التكريم صدىً طيباً في أوساط المجتمع في المدينة بخاصة لدى أهل العلم والأدب، والذي يعود الفضل فيه لمعاون محافظ حمص لشؤون المدينة القديمة المهندس فارس الأتاسي الذي قال عنه لـ 24 : "منذ عدة سنوات، ومع حملة النظام البائد لتغيير أسماء مدارس حمص العريقة لطمس هوية حمص، بدأت بمجهود شخصي بدراسة وتوثيق مدارس حمص وتاريخها، لعلّ وعسى أن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه استرجاع جزء من هويتنا المتمثّل بأسماء مدارس كانت لها بصمة واضحة في تكوين المجتمع الحمصي. ولطالما اعتبرت مسألة المدارس مسألة شخصية بشكل رئيسي، وقضية وطنية أكثر من مجرّد تسميات لا معنى لها".
ويتابع الأتاسي قائلاً: "اليوم وبفضل الله، استرجعنا الجزء المغتصب من هويتنا، رغماً عن كلّ من حاول طمسه وتدميره. اليوم عادت لنا مدارس الإرشاد والوليدية وأم البنين وسُكينة، وأضفنا أكثر من 30 شخصية حمصية معاصرة ساهمت في شتى المجالات الفكرية والأدبية والعلمية. وهو قرار صادق عليه السيد محافظ حمص د. عبدالرحمن الأعمى، الذي أعدّته لجنة مختصّة بدراسة أسماء مدارس محافظة حمص وتغييرها بما يتناسب مع رؤية المحافظة وتعزيز الهوية المحلّية والوطنية. فكان اختيارنا للأسماء عامة أسماء شخصيات بارزة في مختلف المجالات العلمية والأدبية والفنية، أو أسماء شخصيات تاريخيّة ذات قيمة جامعة لمختلف مكوّنات المجتمع. ولم ينتهِ عملنا بعد، فالقادم أجمل لحمص وأهلها".
الاستيلاء على العالم جمالياً
ولعل أجمل ما في هذا القرار إطلاق اسم أديب حي على ثانوية وهو الناقد الأدبي والمترجم حنّا عبّود، إذ درجت العادة إطلاق أسماء الأدباء والشخصيات التاريخية والعلمية على المدارس بعد رحيلهم، وهكذا هي جل الأسماء المختارة، باستثناء اسم الناقد عبّود الذي يعتبر صاحب كتاب "فصول في علم الاقتصاد الأدبي" من ألمع النقاد العرب السوريين، وطرح فيه نظرية الاقتصاد الأدبي في مواجهة الاقتصاد السياسي الذي يسعى للاستيلاء على العالم مادياً، في حين الاقتصاد الأدبي يسعى للاستيلاء عليه جمالياً.

والناقد عبود مدرس لغة عربية متقاعد من مواليد 1937 كان قد حاز على الجائزة التقديرية من وزارة الثقافة في أول دورة لها، وفي جعبته أكثر من ثمانين كتاباً مطبوعاً بين مؤلف ومترجم، صدر معظمها عن وزارة الثقافة السورية واتحاد الكتاب العرب وبعض الدور الخاصة، كان أولها "مسرح الدوائر المغلقة" عام 1978، و"النحل البري والعسل المر: دراسة في الشعر السوري المعاصر" عام 1982، وترجم كل الملاحم الأدبية المعروفة بدءاً من الإلياذة والأوديسة والإنيادة، وغيرها، وكان آخر كتابين صدرا له، في الترجمة، عن مركز أبوظبي للغة العربية، الأول بعنوان "الغابات"، والثاني بعنوان "اندفاع الدم: التاريخ الأسود للسائل الحيوي". ولا يزال في جعبته أكثر من 15 كتاباً تبحث عن ناشر.
وفاء أهل حمص
وكما كان تكريم الأديب حنا عبود لافتاً فإن تكريم الفنانة الممثلة والشاعرة الراحلة "فدوى سليمان" بتسمية مدرسة باسمها هو وفاء من أهل حمص لفنانة خاطرت بروحها لأجل حرية الشعب السوري، فقد برزت فدوى المولودة عام 1970 منذ بداية الانتفاضة السورية في عام 2011 كواحدة من الممثلات الصريحات القليلات اللواتي عارضن حكومة النظام المخلوع علناً. والفنانة فدوى خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، لها مشاركات عدة في أفلام سينمائية وأعمال مسرحية وتلفزيونية وأعمال دوبلاج، ومن أجمل ما جسّدته مسرحية مونودراما "صوت ماريا" من تأليف ليديان شيرمان هوداك، وإخراج مانويل جيجي. تناولت المونودراما قضايا حقوق المرأة، مآسي الحروب، والنزاعات الأهلية وتأثيرها على المجتمع، ولفتت فيها فدوى أنظار النقاد والصحفيين لقدراتها الأدائية.

وقد آثرت هذه الفنانة الانضمام وعلى الرغم من مخاطر السجن أو الموت، إلى الاحتجاجات لتحدي التصور العام بأن المجتمع العلوي بأكمله يدعم الأسد، فكانت مشاركتها وغيرها خير دحضٍ لذلك التصوّر. كما سعت إلى مواجهة رواية الحكومة بأن المحتجين إرهابيون مسلحون. وقد جاءت من دمشق لتشارك أيقونة الثورة، الشهيد "عبدالباسط الساروت"، في مظاهراته بحمص، متحدية وحشية النظام السوري وتهديداته المتكررة بـ "سحقها"، كما ذكرت في وثائقي "دولة الرعب، سوريا السجن الكبير" الذي بثته قناة فرنسية. اشتهرت الراحلة فدوى على نطاق واسع بمقاطع الفيديو العاطفية التي حثت فيها السوريين على مواصلة الاحتجاجات السلمية حتى الإطاحة بالأسد.
سخّرت سليمان التي رفضت اختزال الشعب السوري بسنة وعلويين، أعوامها الستة الأخيرة لإقناع العالم أن هنالك شعباً انتفض ضد الظلم وطالب بكرامته وحريته. انطفأت في المنفى عام 2017 بعد معاناتها مع مرض السرطان.
إعادة اعتبار
مع تقديرنا لبقية الأسماء التي حملت المدارس أسماءهم وبعضهم أعلام مشهورون على المستوى العربي مثل المترجم د. سامي الدروبي، والشاعر عبدالباسط الصوفي، والعلاّمة المجمعي د. عبدالإله نبهان، والمسرحي داود قسطنطين الخوري، وغيرهم، لكن يبقى الزميل الصحفي الراحل محمد الأزهري علامة تستحق هذا التكريم والإشارة إليه، فليس أقل من تكريم مبدع حي وتكريم من ارتقت روحها سوى إعادة الاعتبار للزميل محمد الأزهري الذي صادر البعث بقراره الجائر قانون الاستملاك جريدته التي كان يملكها وهي صحيفة العروبة التي لا تزال تصدر حتى اليوم لكن بعد أن صارت ملكيتها للدولة السورية، وكان الأزهري قد طمح إلى استحداث جريدته الخاصة التي تناسب الخط العروبي الذي تبنّاه منذ شبابه، بعد الخبرة التي اكتسبها في ميدان الصحافة من خلال عمله في صحف حمص ودمشق، فترك صحيفة السوري الجديد في النصف الثاني من عام 1955م، وبدأ العمل على استحصال رخصة صحيفة جديدة تحت اسم "العروبة"، فحصل عليها تحت امتياز السيد عبد الودود الأتاسي بتاريخ 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1955م، وبصفة "جريدة أسبوعية سياسية".

وظلّت تصدر بنفس النسق حتى إغلاقها عام 1959م بعد قيام الوحدة السورية المصرية، وبعد الانفصال السوري المصري عام 1962، تمكّن محمد الأزهري من استعادة صحيفته بعد أن تقدّم بطلب امتيازها عبر د. عبدالباسط الجندلي، فصدرت الموافقة على صدورها بتاريخ 3 سبتمبر (أيلول) 1962، وعندما تشكّلت الحكومة الجديدة برئاسة خالد العظم، بعد عدة أيام وعيّن فيها عبدالحليم قدّور وزيراً للإعلام خلفاً للأديب د.عبدالسلام العجيلي، كتب محمد الأزهري مقالاً في أول عدد أصدره يطالب فيه وزير الإعلام الجديد بالالتزام بمبادئه التي كان قد أعلنها حينما كان رفيقه في سجن المزة، وقد أدّت تلك المقالة إلى إغلاق صحيفة العروبة للمرة الثانية في أوائل أكتوبر (تشرين الثاني)، بعد يوم واحد من صدورها. ثم أعاد الأزهري عقب الثامن من مارس (آذار) 1963، استصدار صحيفته للمرة الثالثة، وأصدر عددها الأول في 17 مارس (آذار) بصفة "جريدة يومية سياسية"، وظلّت تصدر بشكل منتظم حتى يوم 12 أغسطس (آب) 1968 إلى أن صدر قرار بتأميم الصحيفة ومطبعتها وتحويل ملكيتها إلى الدولة.
وكان الأزهري قبل أيام قد صرف أغلب مدخراته في دفعة كبيرة لشراء الورق الخاص بالصحيفة وحبر المطابع، بينما لم يسمح له بأخذ أغراضه الشخصية في مكتب رئاسة الصحيفة، وكان لذلك أثره السلبي، فضلاً عن الأثر الذي تركه التحقيق معه بسبب المقالة، ما أسهم أيضاً بإصابته بجلطة دماغية ظلّ يعاني من أعراضها إلى حين وفاته بتاريخ 20 يناير (كانون الثاني) 1976. لكن ما زال إرث المرحوم محمد الأزهري حاضراً، عبر جريدته التي ما زالت تصدر إلى يومنا هذا، دون أي إشارة إلى مؤسسها، وعبر أولاده، الصحفييَن القديرين السيد خلدون والسيدة ندى.