في الوقت الذي وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تركيز مبادراته الأمنية في ولايته الحالية على منطقة نصف الكرة الغربي والشرق الأوسط، يرى خبراء أن آسيا تبقى ساحة النفوذ الأكثر أهمية للاقتصاد العالمي، ولمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.
وقالت وكالة "بلومبرغ" الإخبارية، إن نشر ترامب للقوات البحرية في البحر الكاريبي وأخرى قبالة السواحل الإيرانية، أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن تغفل عن مناطق أكثر حساسية، خصوصاً في آسيا، حيث يتركز النمو الاقتصادي العالمي، وحيث تدعو الاستراتيجيات الأمريكية منذ أكثر من عقد إلى "التحول نحو آسيا" لمواجهة صعود الصين.
ويرى محللون أن إعطاء الأولوية لآسيا يستلزم تعزيز التحالفات وكبح نفوذ بكين، إضافة إلى الالتزام بالقواعد الدولية لضمان التزام الآخرين بها. إلا أن ترامب أبدى استعداداً للضغط على حلفاء واشنطن، عبر التهديدات التجارية أو المطالب الإقليمية، حتى وإن لم يُنفذ جميعها.
كما تبنّت إدارة ترامب خطاباً يوحي بأن العلاقات الدولية تحكمها "شريعة الغاب"، مع توجه نحو تكريس مناطق نفوذ تبدأ بإحكام السيطرة الأمريكية على محيطها الجغرافي.

مناطق النفوذ
ووفق تقرير الوكالة، حذر مراقبون من أن تبني منطق "مناطق النفوذ" قد يشجع القوى الكبرى الأخرى على انتهاج المسار ذاته. فالصين تسعى لتعزيز سيطرتها على تايوان وبحر الصين الجنوبي، بينما تخشى دول في شرق أوروبا من تهديدات روسية محتملة.
وأشارت تقديرات حديثة لـ "بلومبرغ إيكونوميكس"، إلى أن اندلاع حرب حول تايوان قد يكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 10 تريليونات دولار، وهو ما يفوق تداعيات جائحة كورونا والأزمة المالية العالمية.

الشرق الأوسط في الواجهة
وبالتزامن مع ذلك، تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث لوّح ترامب بإمكانية توجيه ضربة لإيران. ولفتت سيناريوهات اقتصادية إلى أن إغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة الإقليمية، قد يدفع أسعار النفط إلى مستوى يفوق 100 دولار للبرميل.
ويأتي ذلك فيما تستمر المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بحثاً عن مخرج دبلوماسي، بينما من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ترامب في واشنطن، الأربعاء، وسط تصاعد الحديث عن خيارات عسكرية.
ويرى بعض المسؤولين في واشنطن، أن الانخراط في صراع جديد بالشرق الأوسط قد يشكل "حرب اختيار" تصرف الانتباه عن آسيا، في وقت تتزايد فيه التحديات هناك.
ترامب يدرس إرسال قوة بحرية إضافية إلى الشرق الأوسط - موقع 24قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يفكر في إرسال حاملة طائرات إضافية إلى الشرق الأوسط، في ظل الصراع القائم مع إيران.
بين المنافسة والتراجع
وبحسب التقديرات الاقتصادية، من المتوقع أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي لآسيا من 38 تريليون دولار في 2025، إلى 55 تريليون دولار بحلول 2035، مقارنة بـ37 تريليون دولار لأوروبا.
وفي المقابل، يُتوقع أن يبلغ إجمالي اقتصادات الأمريكتين (باستثناء الولايات المتحدة)، 11.5 تريليون دولار فقط بحلول 2035، فيما يصل اقتصاد الشرق الأوسط وأفريقيا مجتمعين إلى 9.5 تريليون دولار.

غير أن بعض سياسات الإدارة الأمريكية أثارت قلقاً في آسيا، إذ دخلت واشنطن في نزاعات جمركية مع اليابان وكوريا الجنوبية والهند، كما لمح ترامب قبل توليه المنصب إلى ضرورة أن تدفع تايوان مقابل الحماية الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات إلى أن الصين تمتلك أسطولاً بحرياً أكبر من الولايات المتحدة، مع توقع تفوقها أيضاً في عدد الغواصات، ما يثير مخاوف من تآكل الردع الأمريكي، وزيادة احتمالات تحرك بكين تجاه تايوان.

توترات مع الحلفاء
من جهة أخرى، أدت بعض مواقف الرئيس الأمريكي إلى توتر في العلاقات مع الحلفاء، من أوروبا إلى كندا والمملكة المتحدة، وسط تحذيرات من تراجع النظام الدولي القائم على القواعد.
ويرى خبراء أن سياسة التركيز على مكاسب قصيرة الأمد ضمن منظور "صفري"، قد تضعف موقع الولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب، حيث تملك القوى الأخرى خيارات أوسع لتقليص اعتمادها على واشنطن.
وأوضحت "بلومبرغ" أنه بينما تؤكد الاستراتيجية الأمنية الأمريكية أن آسيا ستكون "ساحة رئيسية للصراع الاقتصادي والجيوسياسي في القرن المقبل، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الأولويات الحالية تعزز هذا التوجه أم تقوضه، في ظل تصاعد التوترات عبر أكثر من جبهة حول العالم".