تعيش أوكرانيا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية تعقيداً منذ اندلاع الحرب مع روسيا، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، مقابل ضمانات أمنية مستقبلية.
وبينما يرى البعض في الانتخابات مخرجاً سياسياً، يحذّر آخرون من أن تنظيمها في زمن الحرب قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية واستغلال روسي واسع.
وفي هذا السياق، تستعرض الكاتبة جينيفر ماذرز خريطة القوى المحتملة في أي سباق رئاسي قادم، وفرص الرئيس فولوديمير زيلينسكي في البقاء بالسلطة، والبدائل التي قد تبرز في المشهد الأوكراني.
ضغوط أمريكية وانتخابات مشروطة
وقالت جينيفر ماذرز، أستاذة محاضرة أولى في السياسة الدولية في جامعة أبيريستويث في المملكة المتحدة، ومتخصصة في شؤون أوروبا الشرقية والصراعات الدولية، في مقالها بموقع "آسيا تايمز" إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمارس ضغوطاً قوية على نظيره الأوكراني زيلينسكي للدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن، وربما خلال الربيع المقبل، مقابل تقديم ضمانات أمنية أمريكية لأوكرانيا في مواجهة أي عدوان روسي مستقبلي.
وأضافت أن ولاية زيلينسكي انتهت رسمياً في عام 2024، غير أن الدستور الأوكراني يمنع إجراء الانتخابات أثناء الأحكام العرفية والحرب، ما يعني أن تنظيم الاقتراع سيتطلب تعديلاً دستورياً استثنائياً.
وتابعت أن أي رئيس جديد سيجد نفسه أمام مهمة شاقة تتمثل في إدارة دولة تخوض حرباً مفتوحة، ومحاولة توجيهها نحو سلام غير واضح المعالم.
زيلينسكي.. من نصر كاسح إلى شعبية متراجعة
وأوضحت أن زيلينسكي، الذي فاز في انتخابات 2019 بأكثر من 74 في المئة من الأصوات، لا يمكنه اليوم التعويل على نصر سهل.
وأضافت أن سلسلة من قضايا الفساد ألحقت ضرراً كبيراً بشعبيته، إذ اتهمت هيئات مكافحة الفساد الأوكرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 مسؤولين حكوميين ورجال أعمال مقربين منه، بينهم وزير العدل ورئيس وزراء سابق، بالاستيلاء على نحو 100 مليون دولار من قطاع الطاقة.
وتابعت أن احتجاجات واسعة اندلعت في يوليو (تموز) من العام نفسه ضد قانون يمنح الرئاسة سيطرة أكبر على هيئات مكافحة الفساد، قبل أن يتراجع زيلينسكي عن القانون ويطالب باستقالة مسؤولين متورطين.
ووفق استطلاعات معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع، تراجعت نسبة الثقة بزيلينسكي من 74 في المئة في مايو (أيار) 2025 إلى 59 في المئة في ديسمبر (كانون الأول)، بينما لا تتجاوز نسبة من يثقون به ثقة كاملة 26 في المئة.
فاليري زالوجني... الجنرال المنافس
وقالت الكاتبة إن أقرب منافس محتمل لزيلينسكي هو فاليري زالوجني، السفير الأوكراني الحالي لدى المملكة المتحدة، والقائد السابق للقوات المسلحة.
وأضافت أن زالوجني اكتسب شعبية واسعة بصفته أحد رموز مقاومة الغزو الروسي، وتشير استطلاعات إلى أن 73 في المئة من الأوكرانيين يثقون به، ما يجعله الشخصية العامة الأكثر ثقة في البلاد. ورغم امتناعه عن إعلان الترشح، ترى الكاتبة أن كثيرين يعتقدون أنه ينتظر اللحظة المناسبة لدخول السباق.
أسماء أخرى على الهامش
وأشارت إلى أن كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس ديوان الرئاسة حالياً، يُعد وجهاً بارزاً آخر في المشهد، بفضل دوره في العمليات النوعية واستخدام الطائرات المسيّرة، إلا أن شعبيته ما تزال محدودة في استطلاعات الرأي.
كما قد يعود إلى الساحة منافسون قدامى مثل الرئيس السابق بيترو بوروشينكو، المتهم بقضايا تتعلق بالخيانة، ويوليا تيموشينكو، الزعيمة الشعبوية التي تحظى بدعم في الأرياف، لكنها تسجل أرقاماً ضعيفة في الاستطلاعات.
إشكالية الانتخابات في زمن الحرب
وأكدت الكاتبة أن موسكو تطالب بإجراء انتخابات كشرط لأي تسوية سلمية، لكنها لا تتوقع بالضرورة فوز مرشح موالٍ لروسيا.
وأضافت أن تنظيم انتخابات نزيهة في ظل نزوح ملايين الأوكرانيين داخل البلاد وخارجها يمثل تحدياً هائلاً، وقد يفتح الباب للطعن في شرعية النتائج.
وتابعت أن الحملات الانتخابية ستفاقم الانقسامات الداخلية، ما يوفر بيئة خصبة للتدخل الروسي وزعزعة الاستقرار.
وترى الكاتبة أن أي انتخابات تُجرى على عجل، وتحت ضغط خارجي، قد تصب في مصلحة روسيا أكثر مما تخدم الديمقراطية الأوكرانية. فمهما كان اسم الرئيس المقبل، فإن الخطر الأكبر يتمثل في إضعاف الجبهة الداخلية في لحظة مصيرية من تاريخ البلاد.