على مدار سنوات، ساد اعتقاد شبه راسخ في الأوساط الغربية بأن الرئيس الصيني شي جين بينغ يمسك بقبضة حديدية بمفاصل السلطة كافة، وفي مقدمتها الجيش. غير أن موجات الإقالات المتلاحقة لكبار القادة العسكريين، والتي يُنظر إليها عادة بوصفها دليلاً على ترسيخ النفوذ، قد تعكس - حسب قراءة تحليلية حديثة - واقعاً مختلفاً تماماً: قيادة تواجه مقاومة داخلية متنامية، وتسعى عبر التطهير المستمر إلى احتواء أزمة سيطرة آخذة في الاتساع.
الرواية السائدة تحت المجهر
وقال الكاتب والمحلل السياسي غوردون جي تشانغ، مؤلف كتابي "الخطة الحمراء: مشروع الصين لتدمير أمريكا" Plan Red: China’s Project to Destroy America و"الانهيار القادم للصين"The Coming Collapse of China.، إن محللين كثر رأوا في قدرة شي على إقالة عشرات القادة العسكريين منذ وصوله إلى السلطة دليلاً على أن موقعه داخل النظام بات عصياً على التحدي.
وأضاف أن شبكة "سي إن إن" نقلت، الشهر الماضي، عن الباحث جيمس تشار من معهد راجاراتنام في سنغافورة قوله إن إقصاء هذا العدد الكبير من النخب العسكرية يؤكد أن شي يتمتع بسيطرة مطلقة على جيش التحرير الشعبي.
غير أن الكاتب يؤكد أن هذه القراءة التقليدية خاطئة على الأرجح، موضحاً أن عمليات التطهير لا تدل على القوة، بقدر ما تكشف عن عمق المشكلة.
إقالات مفاجئة في قلب المؤسسة العسكرية
وأوضح أن وزارة الدفاع الصينية أعلنت، في مقطع مصور قصير، وضع الجنرالين تشانغ يوشيا وليو تشنلي، العضوين في اللجنة العسكرية المركزية للحزب الشيوعي، قيد التحقيق.
وتابع أن صحيفة "جيش التحرير الشعبي"، الناطقة باسم القوات المسلحة، اتهمتهما بتقويض مبدأ المسؤولية المطلقة لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهو شي جينبينغ نفسه.
وأشار إلى أن إقالة تشانغ يوشيا كانت صادمة بشكل خاص، كونه أرفع ضابط نظامي وأول نائب لرئيس اللجنة.
منطق القوة أم دليل العجز؟
وأضاف الكاتب أن البعض يرى في قدرة شي على عزل هؤلاء القادة دليلاً على تحكمه بالمؤسسة العسكرية، غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أنه أقدم على إقالتهم لأنه لم يعد قادراً على السيطرة عليهم.
وتابع أن السؤال الجوهري هو: لو كان شي يتمتع بسيطرة كاملة، فلماذا يضطر إلى الإطاحة بهذا العدد الكبير من الضباط عاماً بعد عام؟
خصوم داخل الجيش
وأوضح الكاتب أن ثمة مؤشرات على أن خصوم شي داخل المؤسسة العسكرية يقفون وراء بعض الإقالات الأخيرة.
وأضاف أن تشانغ يوشيا نفسه يُعتقد أنه أطاح بالجنرال هي ويدونغ، المعروف بأنه أحد أقرب الموالين لشي، كما أُقيل ضابطان آخران من المحسوبين على الرئيس.
ونقل الكاتب عن الباحث تشارلز بيرتون قوله إن استمرار التطهير يصعب تفسيره إذا كان شي يهيمن فعلاً على النظام، مرجحاً أن خصومه هم من يعملون على إقصاء أنصاره.
وأشار الكاتب إلى أن الصين تبدو عالقة في دوامة من الإقالات المتبادلة، حيث تؤدي كل موجة تطهير إلى موجة أخرى مضادة.
وأضاف أن هذه العمليات تخلق أعداء جدداً، وتجعل أنصار القادة المُقالين أكثر استعداداً للمقاومة، خشية أن يكونوا الهدف التالي.
تململ داخل الصفوف
وتابع الكاتب أن تقارير عديدة تحدثت عن استياء واسع بين كبار الضباط عقب إقالة تشانغ يوشيا، لدرجة أن بعضهم قاطع احتفال رأس السنة للجنة العسكرية المركزية لتجنب مصافحة شي.
وأوضح أن إجراءات أمنية غير مسبوقة اتُخذت خلال المناسبة، حيث شوهد عناصر أمن بزي عسكري داخل القاعة، في مؤشر على انعدام الثقة حتى داخل الدائرة الضيقة للرئيس.
وأشار الكاتب إلى أن اللجنة العسكرية المركزية، التي تضم 7 أعضاء نظرياً، لم يبقَ فيها بعد الإقالات سوى شي نفسه ومفوض سياسي واحد، من دون أي قائد عملياتي فعلي.
وأضاف أن محللين صينيين في المنفى وصفوا هذا الوضع بأنه انهيار شبه كامل لسلسلة القيادة العسكرية، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الحكم الشيوعي.
قوة مبالغ فيها
وأوضح الكاتب أن الاعتقاد الشائع بأن الحزب الشيوعي يسيطر على السلاح، وأن شي يسيطر على الحزب، لم يعد يعكس الواقع الحالي.
وأضاف أن عمليات الإقالة المستمرة لم تمنح شي السيطرة التي يسعى إليها، بل كشفت حدود نفوذه داخل واحدة من أهم ركائز الدولة.
وخلص الكاتب إلى أن موجات التطهير المتسارعة داخل الجيش الصيني لا تشير إلى نظام متماسك، بل إلى مؤسسة تعاني انقسامات عميقة وقيادة تشعر بالتهديد. وبينما يواصل شي جينبينغ السعي لترسيخ هيمنته، تبدو النتيجة حتى الآن عكسية: جيش مرتبك، وسلسلة قيادة مهزوزة، ونظام سياسي يواجه أخطر اختبار داخلي منذ عقود.