في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، وتنافساً محتدماً بين القوى الكبرى، تعود العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لتفرض نفسها بوصفها أحد أعمدة النظام الدولي الغربي، فعلى الرغم من انتقال الثقل الاستراتيجي الأمريكي تدريجياً نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن الروابط العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية بين واشنطن ولندن ما تزال تمثل ركيزة يصعب الاستغناء عنها.

وفي هذا الإطار، تناول الكاتب والباحث عزيم إبراهيم في مقاله بموقع مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكي، أبعاد هذه العلاقة، وأسباب استمرار أهميتها، وكيف يمكن أن تتجدد في ظل الواقع الدولي الجديد.

التحول الأمريكي نحو آسيا

وقال الدكتور عزيم إبراهيم، كبير مسؤولي الاستراتيجية في معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة، وباحث وأكاديمي متخصص في شؤون الأمن الدولي، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقوم اليوم بما لوّح به رؤساء أمريكيون منذ مطلع الألفية الجديدة، عبر الدفع باتجاه تحويل البوصلة الاستراتيجية للولايات المتحدة من أوروبا إلى مسرح المحيطين الهندي والهادئ.

وأضاف الكاتب أن هذا التحول، رغم حدّته الظاهرة، لا يعني قطيعة مع أوروبا بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما يسمح لواشنطن بالتركيز على احتواء الصين، مع تمكين الأوروبيين من الاضطلاع بمسؤوليات دفاعية أكبر.

تسليم قواعد للناتو

تابع الكاتب أن تسليم قاعدتين رئيسيتين من قواعد الناتو، من بينها قاعدة في ولاية فرجينيا، إلى قيادة أوروبية، ونقل قيادة مقر الأطلسي إلى إشراف بريطاني، يعكس رغبة أمريكية جادة في بناء القدرات الأوروبية، لا التخلي عنها.

وأوضح الكاتب أن هذه الخطوة تعني أن القوات الأمريكية المتبقية ضمن الانتشار المشترك ستخضع لسلسلة قيادة يقودها ضباط بريطانيون وأوروبيون، بما يعزز استقلالية أوروبا العملياتية، ويخفف اعتمادها على أنظمة التخطيط والسيطرة الأمريكية.

هل تلجأ أوروبا إلى "الردع النووي"؟ - موقع 24كشفت وكالة "بلومبيرغ" في تقرير، أنه عندما أوقفت الولايات المتحدة مشاركة معلومات استخبارات مع أوكرانيا في مارس (أذار) 2025، كانت النتائج فورية، فقد تكبدت كييف انتكاسات حاسمة على الأرض، بينما تابع حلفاؤها الأوروبيون المشهد بقلق شديد.

المعادلة الجديدة

وأشار الكاتب إلى أن المملكة المتحدة ستؤدي دوراً أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، باعتبارها الشريك الأوروبي الأكثر قدرة على العمل جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة في مجالات متخصصة وحساسة.

وأضاف أن وجود قاعدة تشغيل متقدمة للقاذفات الأمريكية في بريطانيا، إضافة إلى الدور الحيوي لقاعدة نورثوود البحرية في أمن القطب الشمالي، يشكلان ركيزتين لحضور أمريكي أصغر حجماً لكنه أعلى تخصصاً.

ما وراء القواعد العسكرية

وأكد الكاتب أن العلاقة الخاصة لا تقوم فقط على القواعد العسكرية، بل على مستوى عالٍ من الثقة السياسية والدبلوماسية.

وأوضح الكاتب أن بريطانيا تمثل حلقة وصل أساسية بين الولايات المتحدة وأكبر جيشين أوروبيين، الألماني والبولندي، فضلاً عن كونها الشريك الأوروبي الوحيد في تحالف "أوكوس" الهادف إلى ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ستارمر يجدد مسعى بريطانيا للانضمام إلى صندوق الدفاع الأوروبي - موقع 24قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إنه لا يزال يرغب في انضمام المملكة المتحدة إلى صندوق الدفاع الرئيسي للاتحاد الأوروبي، البالغ قيمته 150 مليار يورو، ما يعادل 178 مليار دولار، وذلك بعد أن انتهت المفاوضات العام الماضي دون التوصل إلى اتفاق.

تكامل استخباراتي

وأضاف الكاتب أن المملكة المتحدة تتمتع بدرجة شبه كاملة من التكامل العسكري والاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وهو مستوى من التعاون لا يحظى به أي حليف آخر.

وتابع أن هذا التكامل العميق مكّن بريطانيا من أداء أدوار إستراتيجية لا يمكن لدولة أوروبية أخرى أن تضطلع بها، في ظل ما تتمتع به من خبرة واستقلالية وقدرة على الحركة.

هوية بريطانيا الإستراتيجية

وأوضح الكاتب أن بريطانيا، بحكم طبيعتها التاريخية، قوة بحرية بالأساس، وليس قوة برية، ما يستوجب أن تعكس إستراتيجيتها الكبرى هذه الحقيقة.

وأضاف أن نشر حاملات الطائرات والغواصات النووية في الشرق الأقصى يتماشى أكثر مع نقاط قوة بريطانيا، مقارنة بمحاولات دعم الجيوش البرية الكبيرة في أوروبا الشرقية.

العلاقة الخاصة 

خلص الكاتب إلى أن تقاطع المصالح بين واشنطن ولندن، وتشابه رؤيتهما للعالم، يجعلان من الصعب تصور تراجع جوهري في علاقتهما الخاصة.

وأكد أن التحول الأمريكي بعيداً عن أوروبا قد يؤدي إلى إحياء هذه العلاقة وتعزيزها، سواء عبر الأطلسي أو في المحيط الهادئ.

شراكة تتكيف لتبقى

واختتم الكاتب مقاله بالقول: تثبت العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وبريطانيا أنها ليست إرثاً تاريخياً جامداً، بل شراكة ديناميكية قادرة على التكيف مع تحولات النظام الدولي، فكلما أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها، وجدت في لندن الشريك الأكثر استعداداً لفهم هذه التحولات ومواكبتها، بما يضمن استمرار واحدة من أعمق العلاقات الإستراتيجية في العالم.