لا نبالغ في القول إن عمر قضية المفاعل النووي الإيراني يزيد على نصف قرن، بدأ باتفاق مع الولايات المتحدة، وانتهى بخلاف معها. لكن الأمر برمته لم يعد بين إيران والولايات المتحدة، إنما أصبح بشكل مباشر أو غير مباشر، بين إيران وإسرائيل، بل إن إسرائيل تلعب دوراً مؤثراً على مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ما يجعلنا نجازف بالقول إن ظاهر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لكن باطنها بين إيران وإسرائيل، وربما لهذا السبب، بات الملف النووي الإيراني معقّداً للغاية، لأن إسرائيل حشرت ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية، وترغب في القضاء عليها أو التخلص من تهديدها على الأقل، إضافة إلى تحجيم الملف النووي. وإيران من جهتها تقول إن الملف النووي سلمي، والصواريخ الباليستية ضرورة قومية للدفاع، وهكذا يتّضح لأي متابع بأن المفاوضات مصيرها الفشل، شأنها شأن المفاوضات السابقة التي بدأت منذ أكثر من ربع قرن، واستمرت إلى يومنا هذا، وكأننا نشاهد لعبة القط والفأر.
وهناك من يتحلّى ببعض التفاؤل في الوصول إلى اتفاق شبه مبدئي يترك بعض القضايا لزمن آخر، أي تبقى مسائل عالقة مثل ملف الصواريخ الباليستية، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن القضايا العالقة والمؤقتة، غالباً ما تصبح دائمة، لأن هذا ما حصل في القضايا الفلسطينية العالقة التي تم تأجيلها في اتفاق أوسلو، حيث تم تأجيل قضايا مثل اللاجئين والقدس، ولا تزال حتى الآن.
وما يجعلنا نعتقد أن قضية الصواريخ الباليستية الإيرانية ستبقى قضية عالقة ومؤجلة، هو الإصرار الإيراني على إبقائها، لأن إيران لم ترفض وجود ملف الصواريخ الباليستية، كما رفضت وصف الملف النووي بالحربي وأصرّت على سلميته، ثانياً، نعتقد أن الولايات المتحدة تغض الطرف عن ملف الصواريخ الإيرانية لتواجه الرعونة الإسرائيلية، فإسرائيل، لم يعد خافياً، أنها تمارس ضغوطات كبيرة على واشنطن في مسار التفاوض مع إيران، بل وتطلق التهديدات المتكررة من أنها قد توجّه ضربة للملفّين الصاروخي والنووي الإيرانيين، وهو تهديد مبالغ فيه، كما يرى بعض المحللين، في محاولة لإحراج واشنطن.
ومن جهة ثانية إن ما يزيد نسبة التفاؤل لدى بعض المحللين يتعلق بالجبهة الداخلية الإيرانية، وما تشهده من اضطرابات، الأمر الذي يشكّل ضغوطات على القرار الإيراني، الذي قد يتّجه إلى حلحلة المسائل، ولو مؤقّتاً. فالمفاوض الإيراني بات يمتلك خبرة كبيرة وعالية في التفاوض، وخاصة التفاوض مع واشنطن، رغم وجود رأي ثالث وقد يكون ماكراً يؤمن بالمؤامرة، وهذا الرأي يقول إن هناك تنسيقاً بين الطرفين وتفاهمات من أجل عدم إشعال حرب كبرى، رغم حضور حاملات الطائرات إلى المنطقة، ورغم تهديد إيران بقصف القواعد الأمريكية في الخليج، فهذا كله، من وجهة نظر هذا الرأي، مجرد (تسلية إعلامية) وتحفيز للمشهد، يتّخذه الاقتصاديون الذين يتحكمون بالقرار السياسي، وسيلة لرفع سعريّ الذهب والفضة، وإرباك السوق المالي العالمي، ويستشهدون بالجولات التفاوضية الكثيرة التي فشل معظمها ونجح، إلى حين، بعضها.
ومهما يكن من أمر، فإننا نلحظ وجود عدم ثقة بين الطرفين، بمعزل عن التحليلات السابقة، ولهذا أسبابه، فالولايات المتحدة ترى أن إيران تلعب دوراً استراتيجياً في تدخلها في سياسات المنطقة، فهي تدعم الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، وميليشيات عراقية، وتعتبر هؤلاء أذرعاً عسكرية، تستخدمها للضغط في المفاوضات، أو لتمرير سياسات في البلدان التي يوجدون فيها، وهذا يقلق مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ويقلق إسرائيل حليفة الولايات المتحدة الاستراتيجية.
أما بالنسبة لإيران، فإنها تعيش تحت التهديد الأمريكي الإسرائيلي، مرة من خلال التهديد بشن هجمات، ومرة بدعم هجمات كما فعلت مع الهجمات الإسرائيلية على المفاعل النووي الإيراني، ومرات في التهديد بالحصار، وأحياناً بفرض حصار فعلي، إضافة إلى التهديد بتغيير النظام ودعم المحتجين. وكل هذا يشكل عامل عدم ثقة حين يجلس الطرفان حول طاولة المفاوضات.
ترى، ما هو موقف المنطقة من المفاوضات الإيرانية؟ قد تكون الإجابة سهلة بالقول إن سلطنة عمان، وهي عضو في مجلس التعاون الخليجي، تستضيف المفاوضات، وتلعب دوراً إيجابياً في مسارها، لكن الموضوع أبعد من ذلك، فدول الخليج تعتقد أن الملف النووي الإيراني يشكل عامل عدم استقرار في المنطقة، وبالتالي فإن عامل عدم الثقة قد يمتد ولا يقتصر على العلاقات الإيرانية الأمريكية.
نعتقد أنه لا بد من وضع حد لهذا القلق الذي يعتري المنطقة، وذلك بدعم التوصّل إلى اتفاق إيراني أمريكي بشأن القضايا الرئيسية مثل الملف النووي والقضايا الأمنية الأخرى، من خلال صيغ ترضي الطرفين وتنزع فتيل التوتر الذي يؤثر في العالم أجمع، وحتى لا تبقى المفاوضات أحجية يعرف المتفاوضون سرّها فقط.