بينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ترسيخ صورة إدارته باعتبارها إدارة "إنعاش اقتصادي"، تتصاعد الملفات الخارجية والتصريحات المثيرة للجدل التي تنافس رسالته الأساسية، وتضعها تحت ضغط متزايد، وذلك مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

تناقضات ترامب

وألقى الرئيس ترامب خطاباً وصفه مستشاروه بأنه محطة رئيسية في الترويج لأجندته الاقتصادية، غير أن مجريات يومه عكست واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً، حيث طغت الملفات الخارجية والتصريحات المثيرة للجدل على الرسالة التي يسعى البيت الأبيض إلى ترسيخها قبيل انتخابات التجديد النصفي.

وأمس الخميس، عقد ترامب اجتماعاً مع قادة دول في "مجلس ترامب للسلام"، لبحث خطته لإعادة إعمار غزة. وخلال اللقاء، أعلن أن الولايات المتحدة ستساهم بمبلغ 10 مليارات دولار في الجهود المطروحة، دون توضيح مصادر التمويل، مؤكداً أن الهدف يتمثل في تعزيز الاستقرار الإقليمي، دون نشر قوات أمريكية على الأرض.

ترامب يتعهد بمليارات الدولارات لمجلس السلام في غزة - موقع 24قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس، إن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار لمجلس للسلام ، لكنه لم يحدد أوجه إنفاق هذه الأموال.

وفي السياق ذاته، صعّد ترامب لهجته تجاه إيران، محذراً من أن "أموراً سيئة ستحدث" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، في وقت يدرس فيه خيارات عسكرية محتملة. ويعيد هذا التصعيد إلى الأذهان الضربة التي أمر بها العام الماضي ضد منشآت نووية إيرانية، والتي أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط المحافظة بشأن حدود الانخراط الأمريكي في صراعات خارجية.

ولم تخلُ تصريحات ترامب من إثارة الجدل، إذ اتهم سلفه باراك أوباما بتسريب معلومات سرية، كما وجّه رسائل شكر عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمسؤولين محليين وافقوا على تطوير قاعة الاحتفالات داخل البيت الأبيض، مما يؤكد أن هذه المشاهد مجتمعة عكست ديناميكية سياسية تثير قلق الجمهوريين الذين يرغبون في إبقاء التركيز منصباً على الاقتصاد، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وفي وقت لاحق، توجه ترامب إلى مدينة روما بولاية جورجيا لإلقاء خطابه الاقتصادي من داخل منشأة صناعية متخصصة في تصنيع الرفوف الفولاذية. واستعرض الرئيس خلال كلمته سياسات إدارته المتعلقة بفرض الرسوم الجمركية لحماية الصناعات المحلية، وتخفيف القيود التنظيمية، والترويج لمكاسب سوق الأسهم، فضلًا عن استقطاب استثمارات أجنبية بمليارات الدولارات. كما سلط الضوء على مبادرات مثل إلغاء الضرائب على بعض الفئات، وإنشاء حسابات استثمارية للمواليد الجدد.

ورغم ذلك، تطرق ترامب إلى قضايا أخرى خلال الخطاب، متهماً الديمقراطيين بالسعي إلى التلاعب بالانتخابات، ومازحاً بأنه يرغب في منح نفسه وسام الشرف. وقال الرئيس إن فوزه في انتخابات 2024 جاء بعد أن "ورث فوضى عارمة"، في إشارة إلى الأوضاع الاقتصادية التي أعقبت مرحلة ما بعد الجائحة.

قلق شعبي 

وتشير بيانات حديثة إلى تباطؤ معدلات التضخم، وظهور مؤشرات تحسن نسبي، إلا أن استطلاعات الرأي تظهر استمرار قلق شريحة واسعة من الأمريكيين بشأن تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية، وهو ما دفع كبار مستشاري ترامب إلى عقد جلسة استراتيجية في مبنى الكابيتول هذا الأسبوع، شددوا خلالها على ضرورة أن تكون القضايا الاقتصادية، مثل خفض تكاليف السكن والأدوية، محور الرسالة الانتخابية في المرحلة المقبلة.

ويخشى الجمهوريون من الأنماط التاريخية لانتخابات التجديد النصفي، التي غالباً ما تضعف الحزب الحاكم. ويعد مجلس النواب الأكثر عرضة لتغيير السيطرة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحقيقات يقودها الديمقراطيون في حال فوزهم بالأغلبية.

ترامب: الأيام الـ10 القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لإيران - موقع 24منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس، مهلة زمنية مدتها 10 أيام لاتخاذ قرار بشأن مواصلة المسار الدبلوماسي مع إيران أو إصدار أمر بشن ضربة عسكرية.

كما أبدى بعض حلفاء ترامب قلقهم من أن تؤدي الأزمات الخارجية إلى تشتيت الرسالة الداخلية. وحذر المستشار السابق ستيف بانون من أن شبح الانتخابات يخيّم على كل تحرك، مؤكداً أن القاعدة الانتخابية تثق بترامب في قضايا الأمن القومي لكنها تترقب أداء الحزب في صناديق الاقتراع. 

من جانبها، أبدت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين رفضها لأي تصعيد جديد مع إيران، معتبرة أن الأمريكيين يريدون تحسين أوضاعهم المعيشية، لا خوض حروب جديدة.

وفي المقابل، تؤكد الإدارة أن تحركاتها الخارجية تخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية عبر تعزيز الاستقرار وفتح أسواق جديدة. وتقول المتحدثة باسم البيت الأبيض إن جميع خطوات الرئيس تنطلق من مبدأ "أمريكا أولًا"، سواء عبر تقوية الاقتصاد الداخلي أو تعزيز الأمن الدولي.

ومع اقتراب خطاب حالة الاتحاد، الذي يُتوقع أن يشكل منصة رئيسية لتسويق أجندته الاقتصادية، يواجه ترامب تحدياً مزدوجاً وهو إقناع الناخبين بأن سياساته الاقتصادية تُحدث فرقاً ملموساً في حياتهم اليومية، وفي الوقت نفسه العمل على إدارة أزمات دولية لا تسمح بالكثير من التأجيل. 

وفي ظل هذا التداخل بين الداخل والخارج، تبقى قدرة الرئيس على ضبط إيقاع رسالته السياسية عاملاً حاسماً في مسار الانتخابات المقبلة.