كان يُنظر إلى الشرق الأوسط في كثير من الأحيان على أنه سوق هامشية من قبل المستثمرين العالميين. وكانت أسواق رأس المال تفتقر إلى العمق والاستقرار، كما كان معظم المستثمرين الدوليين يحتفظون بالتزامات طويلة الأجل بشكل شبه كامل لقطاع النفط والغاز فقط.

وبحسب تحليل لمجلة "فوربس" تشير أنماط الاستثمار إلى تحول إقليمي أوسع. فمن المتوقع أن تجذب دول مجلس التعاون الخليجي مستويات متزايدة من الاستثمار الأجنبي المباشر بين عامي 2026 و2029، وفقاً لتوقعات الاستثمار الإقليمية وتقديرات المؤسسات متعددة الأطراف، مدفوعة بإصلاحات تنظيمية داعمة، وإجراءات مالية استباقية، وتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية الرئيسية.

45 مليار دولار

وسجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الإمارات خلال 2024 نمواً قياسياً بنسبة قاربت 49%، لتصل إلى حوالي 167.6 مليار درهم، ما يعادل 45.6 مليار دولار، مما وضع الدولة ضمن المراكز الـ10 الأولى عالمياً في جذب هذه الاستثمارات. وتركزت التدفقات في قطاعات التكنولوجيا، الخدمات المالية، والعقار، مدفوعة ببيئة أعمال محفزة والتحول الرقمي.

وبحسب المجلة، لم يعد يُنظر إلى الشرق الأوسط كسوق ناشئة حدودية. ويدور في نقاشات الرؤساء التنفيذيين، أن المنطقة أصبحت وجهة ذات أولوية للاستثمار الخارجي. وما يتدفق إلى المنطقة اليوم ليس رأس مال مضارِباً يسعى وراء عوائد قصيرة الأجل، بل هو على نحو متزايد تخصيصات أساسية طويلة الأجل ضمن المحافظ الاستثمارية، تعكس ثقة في قوة اقتصادات المنطقة واستدامتها.

المرونة الاقتصادية

في ظل أداء اقتصادي عالمي غير متكافئ، تبرز دولة الإمارات في الخليج العربي بفضل اتساق سياساتها، وقوة أوضاعها المالية، ووفقاً لأحدث استطلاع للرؤساء التنفيذيين أجرته "برايس ووترهاوس" كوبرز الشرق الأوسط فإن نحو ثلاثة أرباع قادة الأعمال يخططون للاستثمار في أسواقهم المحلية، مدعومين بإنفاق حكومي مستقر وسياسات مواتية وصديقة للأعمال.

ومن المهم أن النمو لم يعد متركزاً في قطاع أو منطقة جغرافية واحدة. ففي مختلف أنحاء المنطقة، بدأت استراتيجيات التنويع تؤتي ثمارها.

وسرع اقتصاد الإمارات من وتيرة التنويع نحو قطاعات الخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والطاقة المتجددة، والصناعات المتقدمة. وفي الوقت ذاته، شهدت مصر والأردن زيادة في الاستثمارات الموجهة إلى البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم.

استثمارات قياسية تعزز ريادة الإمارات في الذكاء الاصطناعي - موقع 24في زمن باتت فيه التقنية تُعيد رسم خرائط القوى العالمية، تخطو دولة الإمارات بثقة واثبة نحو الصدارة، مسلّحة برؤية استراتيجية طموحة ومنظومة استثمارية تجاوز إجماليها في قطاع الذكاء الاصطناعي 543 مليار درهم منذ 2024. 

تشكيل بيئة الاستثمار

لعبت الإصلاحات التنظيمية وإصلاحات الأسواق دوراً مهماً في تغيير تصورات المستثمرين وفي دول الخليج والمنطقة العربية الأوسع، تسهم التشريعات الداعمة للأعمال وتحديث المؤسسات في تحسين وصول المستثمرين وتعزيز ثقتهم.

وتواصل الإمارات أداء دور البوابة المالية الرئيسية إلى المنطقة ككل، حيث يستضيف مركز دبي المالي العالمي أكثر من 410 شركات لإدارة الأصول والثروات، بما في ذلك 75 صندوق تحوط، بإجمالي أصول مُدارة تتجاوز 700 مليار دولار. كما سجل سوق أبوظبي العالمي نمواً سنوياً في الأصول المدارة بنسبة 226% مع إطلاق صناديق جديدة وتوسيع الحضور العالمي.

دور محوري

وتجسد الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا التوجه طويل الأمد. فالشراكات بين شركات التكنولوجيا العالمية والمؤسسات الإقليمية تدفع عجلة الابتكار والنمو الاقتصادي.

ويضخ المستثمرون المدعومون من الدولة في مختلف أنحاء المنطقة رؤوس أموال في علوم الحياة، والطاقة النظيفة، والخدمات اللوجستية من الجيل التالي، مما يعزز مكانة الشرق الأوسط كمركز متنامٍ الأهمية للبيانات والابتكار والصناعات القائمة على المعرفة.

وترى "فوربس" أن تطور الشرق الأوسط من سوق ناشئة إلى وجهة محورية لرأس المال العالمي لم يكن وليد الصدفة. بل هو نتيجة إجراءات حكومية مدروسة، وإصلاحات تنظيمية وسياساتية مستدامة، وأطر ضريبية تنافسية، واستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية ورأس المال البشري.

وبالنسبة للفاعلين العالميين، لم يعد الخيار نظرياً إما إعادة تقييم دور الشرق الأوسط ضمن المحافظ العالمية، أو المخاطرة بالتقليل من شأن أحد أكثر أسواق رأس المال ديناميكية خلال العقد المقبل.