في ظل التحولات التي شهدتها حركة الطيران في المنطقة مؤخراً، وما رافقها من تعديلات على جداول الرحلات وإعادة تنظيم للمجال الجوي في عدد من الدول، وجد بعض المسافرين والمقيمين أنفسهم أمام تحديات لوجستية غير متوقعة أثّرت على خطط سفرهم وإقامتهم. وكان الرد الإماراتي على قدر المرحلة.

أعلنت الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ حزمة إجراءات استثنائية تهدف إلى تخفيف الأعباء القانونية والمالية عن المتأثرين، مؤكدةً أن لا تبعات على من فرضت عليه الظروف ما لم يختره.
وتضمّنت هذه الإجراءات السماح للمقيمين الذين انتهت إقامتهم وهم خارج الدولة بالعودة دون الحاجة إلى استخراج تأشيرة دخول جديدة، خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير حتى 31 مارس 2026. كما شملت الإعفاء من غرامات التأخر في المغادرة الناتجة عن تعديل مواعيد الرحلات، وطال هذا الإعفاء الزوار والسياح وحاملي تصاريح المغادرة، فضلاً عن المقيمين الذين أنهوا إجراءات إلغاء إقامتهم تمهيداً للسفر وحالت الظروف دون ذلك.

معادلة القانون والإنسانية

أكد المستشار القانوني محمد الميسري أن الإجراءات التي اتخذتها دولة الإمارات في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة وتعديل بعض الرحلات الجوية تعكس نهجاً إنسانياً وقانونياً متوازناً يهدف إلى حماية المقيمين والزوار من أي تبعات قانونية قد تنتج عن ظروف خارجة عن إرادتهم.
وأوضح أن تعديل مواعيد الرحلات أو إعادة تنظيم المجال الجوي قد يضع بعض المسافرين أو المقيمين في أوضاع قانونية معقدة، مثل انتهاء مدة الإقامة أو التأشيرة دون القدرة على مغادرة الدولة في الوقت المحدد، مشيراً إلى أن القرارات التنظيمية التي تصدر في مثل هذه الحالات تمنح مُهلاً وتسهيلات قانونية تضمن عدم تحميل الأفراد مخالفات أو غرامات بسبب ظروف لا يد لهم فيها.
وأضاف أن هذه الإجراءات تسهم بشكل كبير في معالجة الأوضاع القانونية للمقيمين والزوار المتأثرين، حيث تتيح للجهات المختصة التعامل بمرونة مع الحالات المختلفة، سواء من خلال منح فترات سماح إضافية أو تسهيل إجراءات تسوية الأوضاع القانونية، بما يحقق التوازن بين تطبيق القانون ومراعاة الظروف الاستثنائية.
وأشار الميسري إلى أن هذه القرارات تعكس أيضاً مرونة التشريعات في دولة الإمارات وقدرتها على التعامل مع المستجدات والظروف الطارئة بكفاءة عالية، مؤكداً أن المنظومة القانونية في الدولة أثبتت قدرتها على التكيف مع المتغيرات بما يحافظ على الاستقرار القانوني ويعزز الثقة لدى المقيمين والزوار.

قرار بأبعاد متكاملة

تناول الدكتور وضاح الطه، الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد الأوراق المالية والاستثمار البريطاني، هذه القرارات من زوايا ثلاث متكاملة.
على الصعيد الاقتصادي، أكد الطه أن هذه الإجراءات تُسهم في تخفيف الأعباء المالية عن المقيمين والزوار، لا سيما في ظل ما يشهده قطاع الطيران من ارتفاع في أسعار التذاكر مرتبط بتصاعد تكاليف الوقود، مشيراً إلى أن الإعفاء من غرامات تجاوز مدد الإقامة أو تأخر المغادرة يُشكّل دعماً مالياً مباشراً يحول دون تراكم أعباء مضاعفة على فئات لم تكن طرفاً في ما جرى.
وعلى البُعد الإنساني، أوضح الطه أن هذه القرارات تجلٍّ حقيقي للنهج الإنساني الذي ميّز الإمارات منذ تأسيسها، إذ دأبت الدولة على مدّ يد العون لكل محتاج بصرف النظر عن جنسيته أو أصله، مؤكداً أن ما نراه اليوم ليس استجابة ظرفية بل امتداد أصيل لهوية راسخة لم تتبدّل.
أما البُعد الثالث فيتعلق بالجاذبية الاستثمارية، إذ لفت الطه إلى أن الإمارات تنفرد بمستوى من المرونة والتسامح في التعامل مع المستجدات الجيوسياسية لا يكاد يُضاهيه نظير في العالم، مستشهداً بإحصاءات عام 2025 التي كشفت أن الإمارات استقطبت نحو 9800 مليونير، لتتصدر بذلك قائمة الوجهات الأولى عالمياً لاستقرار أصحاب الثروات. وخلص إلى أن هذا الواقع ثمرة منظومة متكاملة تجمع بين بنية قانونية ومصرفية وخدمية راسخة ومناخ أمني متميز، كلها تعمل معاً بوصفها قوة جذب ناعمة تجعل من الإمارات نموذجاً استثنائياً يصعب تكراره.