تتجه العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين نحو مرحلة غير مسبوقة من التوتر، في ظل نقاشات داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وسط خلافات متصاعدة حول ملفات أمنية وسياسية، أبرزها الحرب مع إيران وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، فإن ترامب بحث مع مستشاريه خيار سحب جزء من القوات الأمريكية من القارة الأوروبية، دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن، أو إصدار توجيهات رسمية لوزارة الدفاع لوضع خطة تنفيذية.
وتعكس هذه القرارات استياءً أمريكياً متزايداً من مواقف الحلفاء الأوروبيين، خاصة بعد رفضهم المساهمة في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب تعثر خطة ترامب لضم غرينلاند، ما اعتبرته واشنطن تجاهلاً لمصالحها الاستراتيجية.
انسحاب ترامب من الولاية الأولى
ويبلغ عدد القوات الأمريكية في أوروبا أكثر من 80 ألف جندي، يتمركز معظمهم في ألمانيا، إضافة إلى انتشار واسع في إيطاليا والمملكة المتحدة وإسبانيا، حيث تلعب هذه القوات دوراً محورياً في منظومة الأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية.
كيف تسد المحادثات بين أمريكا وإيران فجوة انعدام الثقة العميقة؟ - موقع 24وصفت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بأنها ستمثل أعلى مستوى من المحادثات المباشرة بين البلدين منذ ثورة 1979، وأنه إذا التُقطت صورة لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس واقفًا بجانب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في إسلام آباد، ...
وتشير تقارير إلى أن إدارة ترامب تدرس إعادة هذه القوات إلى الولايات المتحدة، بدلاً من إعادة نشرها داخل أوروبا، في خطوة من شأنها تقليص الالتزامات الأمنية الأمريكية في أوروبا دون الانسحاب الرسمي من الحلف.
وبحسب تقرير لمجلة "دير شبيغل" الألمانية، فإن التلويح بسحب القوات ليس جديداً، بل يعود إلى الولاية الأولى لترامب، إلا أن السياق الحالي أكثر حساسية، مع تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة.
وتُعد ألمانيا حجر الزاوية في الوجود العسكري الأمريكي، حيث تستضيف نحو 38 ألف جندي، إلى جانب قواعد استراتيجية مثل قاعدة رامشتاين الجوية، التي تشكل مركزاً لوجستياً رئيسياً للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج البلاد.
شلل منظومة الأمن الأوروبي
ورغم حدة التصريحات، يرى محللون سياسيون أن الانسحاب الكامل يواجه تحديات عملية كبيرة، نظراً لاعتماد الولايات المتحدة على البنية التحتية العسكرية في أوروبا، خاصة في ألمانيا، التي تمثل مركزاً لا يمكن استبداله بسهولة.
وفي المقابل، بدأت دول أوروبا بالفعل خطوات لتعزيز قدراتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على واشنطن، من خلال زيادة الإنفاق العسكري وتطوير أنظمة الدفاع والاستخبارات، في ظل هذه المعطيات، يبدو أن التهديد الأمريكي لا يزال في إطار الضغط السياسي، دون أن يتحول إلى قرار استراتيجي نهائي حتى الآن.
لكن تكرار هذه التصريحات يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين ضفتي الأطلسي، خاصة في ظل تراجع الثقة المتبادلة، ما قد يدفع أوروبا إلى إعادة رسم استراتيجيتها الدفاعية في عالم يتجه نحو مزيد من عدم اليقين.