تنعقد اجتماعات الربيع وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في وقت تتسارع فيه المتغيرات في الاقتصاد العالمي الذي يسير فوق حبل مشدود، وسط رغبة جامحة في طي صفحة التضخم، وتخوف من أن يؤدي علاج "الفائدة المرتفعة" إلى إنهاك الأسواق تماماً.
خبير اقتصادي لـ 24: العالم يواجه خطر "النمو الهش"
وأصبح التضخم واقعاً يومياً يلتهم المدخرات ويقلص الخيارات، بعد أن كان مجرد مصطلح تقني في التقارير الدورية، وهذا ما دفع البنوك المركزية إلى بذل جهود مضنية لمواجهة هذا الغلاء الذي يظهر "عناداً" كبيراً، لا سيما في قطاعات الطاقة والخدمات.
ويُعرف التضخم بأنه ارتفاع مستمر ومؤثر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، ما يؤدي بدوره إلى انخفاض القوة الشرائية للعملة.
هذا الارتفاع المستمر وضع الأسر حول العالم تحت ضغوط معيشية خانقة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن تكاليف المعيشة لا تزال تؤرق نحو 65% من المجتمعات في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
مأزق الفائدة
على مدار العامين الماضيين، ظل رفع أسعار الفائدة السلاح الوحيد لمواجهة الغلاء، لكن هذا السلاح أصبح اليوم "ذا حدين".
وفي هذا السياق، يقول المتخصص في علم الاقتصاد، يوسف العبادي، إن رفع سعر الفائدة، وإن كان يهدف لتهدئة الأسعار، إلا أنه يضعف وتيرة الاستثمار ويخنق الشركات الناشئة تحت وطأة تكاليف الاقتراض الباهظة.
ورأى العبادي في حديثه لـ"24" أن استمرار الفائدة عند مستوياتها الحالية يمثل تهديداً مباشراً لخطط التوسع والتوظيف، مما يقود إلى ما يعرف بـ "النمو الهش" الذي يسيطر على الأسواق العالمية.
ويشير صندوق النقد إلى أن احتمالية "الهبوط الحاد" في بعض المناطق لا تزال تراوح ما بين 20% إلى 30% إذا لم يتم البدء بتيسير السياسات النقدية قريباً، رغم أن بعض الاقتصادات الكبرى تظهر صموداً نسبياً حتى الآن.
أزمة صامتة
تُعد قضية الديون السيادية إحدى أكثر القضايا إلحاحاً وإيلاماً على طاولة الاجتماعات في واشنطن، فالفائدة المرتفعة لا ترهق الأفراد والشركات فحسب، بل تدفع بالدول النامية نحو أزمات كبرى، حيث تضطر هذه الحكومات لتخصيص ميزانيات ضخمة لخدمة ديونها بدلاً من توجيهها للتعليم والصحة والبنية التحتية.
ويوضح العبادي أن هذا "النزيف المالي" يهدد بتقويض مكتسبات التنمية لسنوات طويلة، ويجعل الفجوة بين الدول أكثر اتساعاً. ولفت إلى أن التساؤل الجوهري في نهاية الاجتماعات يكمن في مدى قدرة قادة الاقتصاد العالمي على تحقيق "الهبوط الناعم" المنشود، وكبح جماح التضخم دون التسبب في ركود مؤلم يطيح بالوظائف.
وأكد أن الرهان اليوم لا يتوقف عند السياسات النقدية فحسب، بل يمتد ليشمل التنسيق الدولي لتخفيف أعباء الديون وحماية الفئات الأكثر هشاشة، لضمان إيجاد مساحة آمنة للإنسان البسيط وسط هذه التحولات الاقتصادية الكبيرة وبعيداً عن تقلبات الأسعار التي لا ترحم.
سياسة محفوفة بالمخاطر
بدورها، تشير وكالة "بلومبيرغ" إلى أن المستثمرين ربما يتعاملون بقدر من الاطمئنان الزائد تجاه مخاطر التضخم، رغم تحذيرات صندوق النقد وخبراء الأسواق الذين يرون أن الصدمات الحالية في سلاسل الإمداد، وأزمة الطاقة، والاضطرابات الجيوسياسية، لم تنعكس بعد بشكل كامل على الأسعار.
بين التضخم والديون.. ملفات معقدة في اجتماعات صندوق النقد الدولي - موقع 24بدأت في العاصمة واشنطن منذ يوم الإثنين الماضي، اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في وقت حساس ومعقد بشكل كبير كما يقول خبراء، بسبب تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وتأثيراتها الكبيرة على الأسواق.
وأوضحت الوكالة أن السياسات الداعمة للنمو وقوة الأسواق المالية قد تخفي في المدى القصير ضغوطاً تضخمية كامنة، خاصة مع استمرار التغيرات في أسواق العمل وتراجع المعروض من العمالة، ما قد يعزز موجة تضخم "متأخرة" تظهر آثارها تدريجياً وبشكل ممتد.