حذر خبراء اقتصاديون من التفاؤل المتزايد في سوق الأسهم وارتفاع أسعارها هذا الأسبوع، تزامناً مع انخفاض أسعار النفط، في ظل اعتقاد البعض أن صدمة الطاقة التي هزت العالم سوف تتلاشى سريعاً، ولكنهم لا يدركون حجم الخطر ودفع الاقتصاد العالمي إلى الركود، بحسب صحيفة وانشطن بوست الأمريكية.
تفاؤل يخفي مشاكل عميقة
وقال جيري مورتون، الرئيس المشارك لقسم النفط والغاز في شركة المحاماة بيكر بوتس: "إن العاملين في هذا القطاع أكثر قلقاً بشأن هذه الاضطرابات، ويدركون المدة الطويلة التي ستستغرقها الأمور للعودة إلى طبيعتها، إن عادت أصلًا".
وأضاف "حتى المستثمرون الذين يسارعون للاستفادة من تفاؤل السوق حذّروا في مقابلات صحافية من أن هذا التفاؤل يُخفي مشاكل عميقة كامنة، تنذر بأزمة وشيكة"، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".
وقال ريتيش جاين، مؤسس شركة الاستثمار باينتري ماكرو: "نعلم أن سلاسل الإمداد تنهار في آسيا، بل حتى في أوروبا، ونعلم أن تصحيحاً سيحدث لا محالة، لكن الجميع يفضلون عيش اللحظة الراهنة. يقول الناس لأنفسهم: سيتم حل هذه المشاكل، وإن لم تُحل، سنبيع الأسهم وقتها".
وأضاف "البعض يقول علينا أن نستمتع باللحظة ونأمل أن نكون قريبين من باب الخروج حين تنتهي"، مشيراً إلى أن أشخاصاً في الكواليس يعلمون أن شيئاً ما سيحدث.
وأشار خبراء إلى أن أوروبا معرّضة لخطر نفاد وقود الطائرات خلال 6 أسابيع. وقد ارتفعت أسعار الأسمدة إلى مستويات قياسية قد تدفع أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع حتى العام المقبل، وهناك نقص في المكونات الأساسية اللازمة لتصنيع منتجات لا تقتصر فقط على الكمامات الجراحية والألعاب، بل جميع أنواع البلاستيك، ما يعني أن تكلفة أي منتج مُغلّف بالبلاستيك قد ترتفع.
وتعاني المصانع في دول مثل فيتنام وبنغلاديش، التي تعتمد عليها الشركات الأمريكية في تصنيع منتجاتها، من ضغط هائل، جراء ارتفاع أسعار الطاقة، ما يُهددها بالإغلاق.
ماذا يحدث في سوق الأسهم؟
يبدو أن ازدهار سوق الأسهم لا يعكس هذا الواقع. ويصف بعض المحللين هذا التباين بأنه مشابه لردة فعل الأسواق خلال جائحة كورونا. فبعد انخفاض حاد في البداية، انتعشت الأسواق بسرعة، متجاهلةً الضرر الدائم الذي لحق بسلاسل التوريد التي تُحرك الاقتصادات العالمية، والمخاطر التضخمية الحادة التي سببتها تلك الاضطرابات.
ثم جاءت تبعات ذلك. مع نفاد مخزونات المنتجات، واستنزاف احتياطيات الطاقة، وتضاؤل المساعدات الحكومية للعمال، وتجلّت المعاناة في تداعيات مالية مرهقة امتدت آثارها إلى أنحاء العالم.
وقال نيل كروسبي، رئيس قسم أبحاث النفط في شركة سبارتا، وهي شركة متخصصة في معلومات السوق وتحليلها في هذا القطاع: "لو أخبرني أحد قبل 3 أسابيع أن سعر النفط سينخفض إلى أقل من 100 دولار في سوق العقود الآجلة، لكنتُ اتهمته بالكذب".
وأضاف أن ردة فعل السوق المتقلبة تبدو وكأنها ناتجة عن حالة من "ضباب الحرب"، حيث يتجه المتداولون، غير المدركين لأهداف الولايات المتحدة واستعدادها لإطالة أمد الصراع، إلى افتراض أن الرئيس دونالد ترامب يسعى جاهداً لإيجاد مخرج من هذا الصراع.
وأوضح أن هذا الارتباك جعل عملاء شركته من المستثمرين يتصرفون بقلق، ويقلّصون رهاناتهم على أسواق النفط. ويتجلى ذلك بوضوح في الفارق غير المسبوق بين السعر الذي يدفعه المشترون مقابل برميل النفط للاستخدام الفوري - والذي تجاوز في بعض أنحاء العالم 140 دولاراً - والسعر الذي يدفعه المتداولون مقابل برميل النفط الذي سيتم تسليمه بعد أشهر، والذي انخفض يوم الجمعة إلى أقل من 90 دولاراً.
وتابع كروسبي "في أي لحظة من اليوم، قد يغرّد ترامب بتغريدة، فتتفاعل معها خوارزميات التداول، وهذا يُصعّب الأمور للغاية".
وقال تيبور بيسيديس، أستاذ الاقتصاد في معهد جورجيا للتكنولوجيا: "هناك فجوة بين ما تبدو عليه الأسواق وما يحدث فعلياً في العالم". يبدو أن الأسواق تُقيّم هذا الوضع على أنه صدمة مؤقتة، رغم أن العاملين في قطاع النفط يؤكدون أنه سيستمر لفترة طويلة. فالأمر ليس بهذه البساطة، ولا يكفي مجرد فتح الصنبور لإعادة تدفق النفط، ولذلك لا أفهم لماذا تتفاعل الأسواق بهذه الطريقة كلما وردت أنباء عن احتمال التوصل إلى وقف لإطلاق النار. يبدو أن المستثمرين لا يدركون أننا ما زلنا في حالة حرب.