مع تسارع التطور التكنولوجي، لم تعد المواجهات تقتصر على الجنود والمعدات التقليدية، بل بدأت ملامح عصر جديد تتشكل حيث تتقدم الأنظمة الآلية والروبوتات إلى الخطوط الأمامية.
ويعكس هذا التحول تغييراً عميقاً في طبيعة القتال، حيث تُختبر تقنيات غير مألوفة في أوكرانيا، قد تُعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية، وتقليل المخاطر البشرية في ميادين المعارك.
هجوم غير مألوف
في أحد وديان شرق أوكرانيا، لم يكن المشهد يشبه أي هجوم تقليدي، إذ تقدمت مركبات صغيرة أرضية عبر الحقول بهدوء محسوب، تتحرك نحو مواقع روسية وسط تضاريس مفتوحة تبدو بسيطة للعين، لكنها كانت مسرحاً لتجربة عسكرية غير مسبوقة.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أن هذه المركبات التي تشبه عربات صغيرة مخصصة لنقل الأدوات، لم تكن مدنية على الإطلاق. بل كانت روبوتات قتالية محمّلة بنحو 66 رطلاً من المتفجرات، تُدار عن بُعد من مسافات بعيدة، وتتحرك وفق تنسيق دقيق مع طائرات مسيّرة تحلق في السماء.

وأوضحت أنه مع اقترابها من الهدف، تدخلت الطائرات المسيّرة لإلقاء قنابل تمهّد الطريق، قبل أن تندفع إحدى الروبوتات وتنفجر، بينما بقيت الأخرى تراقب وتدعم العملية من الخلف.
وأشارت إلى أنه في لحظة غير متوقعة داخل ذلك المشهد، ظهر لوح بسيط من الكرتون فوق أحد الخنادق، كتب عليه جنود روس عبارة "نريد الاستسلام"، قبل أن يخرج اثنان منهم ويتوجها إلى الخطوط الأوكرانية.

حرب بلا جنود
وهذه الحادثة، التي وثقها الجيش الأوكراني في منطقة خاركيف، لم تكن مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل مثالاً على التحول العميق في طبيعة الحرب. فمع النقص الحاد في الجنود، بدأت كييف تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة غير المأهولة، في محاولة لتقليل الخسائر البشرية وإعادة تشكيل أسلوب القتال.
وقال مسؤولون إن "استخدام المعدن أفضل من التضحية بالبشر"، في إشارة إلى الروبوتات التي لا تُصاب ولا تنزف.

استخدامات متعددة
ولفتت "نيويورك تايمز" إلى أن استخدام التكنولوجيا في أوكرانيا لم يعد مقتصراً على الطائرات المسيّرة التي تملأ السماء، بل امتد إلى الأرض وتحت الماء أيضاً.
وقالت إنه "مع مرور الوقت، تحولت الروبوتات الأرضية من أدوات لنقل الإمدادات وإجلاء الجرحى، إلى عناصر هجومية تشارك في اقتحام المواقع وتدمير التحصينات".
وبحسب وزارة الدفاع الأوكرانية، نفّذ الجيش أكثر من 9 آلاف مهمة ميدانية باستخدام هذه المركبات في الشهر الماضي فقط، مقارنة بـ 2900 مهمة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بينما كانت نادرة قبل عام واحد.

قدرات محدودة ولكن تأثير متزايد
وتسعى كييف إلى إبراز تطورها العسكري أمام الغرب، ليس فقط كمستفيد من الدعم، بل كحليف قادر على تقديم تقنيات قتالية حديثة.
فعلى الرغم من أن هذه الروبوتات لا تزال محدودة السرعة وسهلة الاستهداف نسبياً، حيث غالباً ما تعمل لمدة 24 ساعة فقط قبل أن تُدمّر أو تتعطل. إلا أن قدرتها على حمل شحنات تفجيرية كبيرة جعلتها جزءاً متزايد الأهمية في التكتيك العسكري الأوكراني.
ومع تصاعد استخدام الأنظمة غير المأهولة، يبدو أن أوكرانيا تدفع نحو نموذج حرب جديد، حيث يتراجع دور الجنود في الخطوط الأمامية لصالح الروبوتات، في تطور قد يعيد تشكيل طبيعة القتال الحديث.
