تجسّد محاكمة كاليفورنيا الفيدرالية في 29 أبريل 2026 مأزقاً استراتيجياً لإيلون ماسك، حيث تجاوز النزاع حول "أوبن إيه أي" مجرد خلاف بين مليارديرين ليصبح صراعاً علنياً على مستقبل التحكم في الذكاء الاصطناعي، بعد أن كشفت جلسات الاستماع عن تناقضات جوهرية في طروحات ماسك، مما حوّل القضية إلى استفتاء حول من يملك الأحقية الأخلاقية والتقنية في صياغة عقول المستقبل.
تناقضات إيلون ماسك بالوثائق
وصف ماسك نفسه أمام هيئة المحلفين بأنه كان "مغفلاً" حين قدم 38 مليون دولار كتمويل تأسيسي لشركة OpenAI، التي تحولت لاحقاً إلى كيان ربحي تقدر قيمته بنحو 852 مليار دولار تحت قيادة سام ألتمان وبدعم من مايكروسوفت، معتبراً هذا التحول خيانة للأمانة ومخاطرة بسلامة البشرية.
ضمنت المواجهة القضائية أدلة دامغة قدمتها OpenAI، شملت رسائل بريد إلكتروني من عام 2018 تظهر أن ماسك اقترح دمج الشركة مع تسلا لتكون بمثابة مصدر رئيسي لتوفر التمويل الضخم، وهو ما يدحض مزاعمه حول ضرورة بقائها منظمة غير ربحية صرفة، بحسب "tomsguide".
كما كشفت الوثائق موافقته في عام 2016 على تقليل سياسة الانفتاح ومشاركة الأبحاث مع اقتراب الشركة من تحقيق طفرات تقنية، ما يضعف موقفه الحالي المطالب بجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي "مفتوحة المصدر" للجميع.
وفي هذا السياق، أشارت القاضية إيفون غونزاليس روجرز إلى التناقض الواضح، وهو كيف يحذّر ماسك من مخاطر وجودية قد تقضي على البشرية، بينما يؤسس في الوقت نفسه شركة تعمل في المجال ذاته؟

وتعرض ماسك لإحراج تقني كبير أثناء استجوابه، حين عجز عن تعريف "بطاقات الأمان" (Safety Cards) التي تعد المعيار الأساسي في الصناعة لتقييم مخاطر النماذج الذكية، مما دفع محامي الخصم للإشارة إلى أن مخاوفه نابعة من رغبة في السيطرة لا من خبرة فنية.
ويسعى ماسك حالياً لاستصدار حكم يقضي بإقالة سام ألتمان واسترداد 134 مليار دولار، في قضية قد تؤدي نتائجها إلى تغيير جذري في تكلفة خدمات "ChatGPT" وفك الارتباط الوثيق بين OpenAI ومايكروسوفت عالمياً.

صراع النفوذ وأسرار الغرف المغلقة
تكشف تفاصيل الجلسات أن النزاع يتجاوز مجرد المبادئ، إذ يطالب ماسك أيضاً بعزل غريغ بروكمان من منصبه، متهماً القيادة الحالية بممارسة "الإثراء غير المشروع" عبر استغلال أصول كانت مخصصة للأعمال الخيرية.
في المقابل، تصر OpenAI على أن هيكلها الحالي هو السبيل الوحيد لتأمين التكاليف الباهظة لبناء ذكاء اصطناعي متطور، مؤكدة أن ماسك حاول سابقاً الاستحواذ الكامل على القرار داخل الشركة قبل أن يقرر الانفصال عنها وتأسيس شركته المنافسة "xAI".

وتنتظر الأوساط التقنية شهادة سام ألتمان وساتيا نادلا المتوقعة خلال الأيام القادمة، والتي قد تكشف مزيداً من الكواليس حول كيفية إدارة "سباق التسلح الرقمي" بين العمالقة.
ومع وصول المحاكمة إلى ربع مدتها الزمنية المقررة بشهر تقريباً، تظل الأسواق مترقبة لما ستسفر عنه هذه المواجهة التي قد تضع حداً لاحتكار الكيانات الكبرى للنماذج الذكية الفائقة، وتحدد مسار الابتكار التقني عالمياً، إذ تعكس المحاكمة واقعاً مقلقاً يتمثل في انحصار قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي بين عدد محدود من الشركات الكبرى، مثل أوبن إيه آي ومايكروسوفت، إلى جانب غوغل وميتا وعدد قليل من اللاعبين الكبار الآخرين.