على مدى شهرين، تمحورت الرواية الاقتصادية للحرب مع إيران حول نقطة واحدة هي ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، بما يزيد من أعباء المعيشة ويهدد بدفع اقتصاد الولايات المتحدة نحو الركود.

ورغم أن الأسعار مرتفعة بالفعل، ما يعزز مخاطر الانكماش الاقتصادي، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أنها ليست مرتفعة بالقدر المتوقع بالنظر إلى حجم الاضطراب غير المسبوق في إمدادات النفط العالمية، بحسب تحليل لشبكة "سي.إن.إن".

ترامب يفضل "أقصى قدر" من الضرر الاقتصادي على إيران - موقع 24كشفت مصادر مطلعة أن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بات وشيكاً، والأمر متروك الآن لرد طهران، حتى يتم استئناف المحادثات بين الجانبين.

من أوكرانيا إلى مضيق هرمز

ففي عام 2022، ومع اندلاع الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا، كان التهديد يتمثل في خروج نحو 3 ملايين برميل يومياً من السوق، ما دفع الأسعار إلى تجاوز 120 دولاراً للبرميل، وارتفاع البنزين إلى 5 دولارات للغالون.

أما اليوم، فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطّل نحو 14 مليون برميل يومياً فوراً، في أكبر صدمة إمدادات في التاريخ، ومع ذلك يتم تداول النفط عند نحو 110 دولارات، بينما يبلغ سعر البنزين نحو 4.39 دولاراً.

وكانت التوقعات الأولية تشير إلى إمكانية وصول الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل، بل وتجاوزها وفق بعض التقديرات الأكثر تشاؤماً. وقال محلل النفط في شركة "كلير" مات سميث إن الأسعار "كان يُفترض أن تتجاوز 200 دولار"، مضيفاً أن "الجميع في حيرة من هذا الوضع".

عوامل تفسر المفارقة

زيادة الإنتاج العالمي تعد تفسيراً ضعيفاً حيث شهد الإنتاج النفطي ارتفاعاً في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى خارج الخليج العربي، إلا أن هذه الزيادة لا تكفي لتعويض النقص البالغ 14 مليون برميل يومياً.

كما أن دولًا رئيسية في الخليج العربي لا تستطيع زيادة صادراتها بشكل كبير في ظل إغلاق المضيق، فضلًا عن عمل المصافي العالمية قرب طاقتها القصوى.

قبل اندلاع الحرب، كانت هناك كميات كبيرة من النفط الخام مخزّنة في الناقلات والمستودعات، تُقدَّر بنحو 580 مليون برميل، ما وفّر "وسادة" مؤقتة خففت من حدة الصدمة.

كما ساهم السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية ورفع بعض القيود عن النفط الروسي والإيراني في تعزيز المعروض مؤقتاً.

وانخفض الطلب على النفط بنحو 4.3 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى يفوق ما حدث خلال الأزمة المالية العالمية عام 2009. ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع الأسعار، لكنه يرتبط أيضاً بنقص فعلي في الإمدادات، خصوصاً في مناطق مثل الشرق الأوسط وآسيا، حيث بدأت بعض الدول تعاني من شح الوقود.

يرى محللون أن المضاربات في أسواق العقود الآجلة تلعب دوراً كبيراً في إبقاء الأسعار دون مستوياتها المتوقعة، إذ يراهن متعاملون على انتهاء سريع للحرب.

وفي هذا السياق، يُعتقد أن توقعات تحرك الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب لاحتواء الأزمة سريعاً ساهمت في تهدئة الأسواق نسبياً، رغم حجم الاضطراب الفعلي في الإمدادات.

بوتين وترامب يبحثان هاتفياً الحرب في إيران وأوكرانيا - موقع 24أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً بنظيره الأمريكي دونالد ترامب، بحسب ما أفاد مستشاره الدبلوماسي يوري أوشاكوف الأربعاء، مشيراً إلى أن الرئيسين ركّزا بشكل أساسي على الحرب في الشرق الأوسط.

لماذا قد ترتفع الأسعار؟

حتى الآن، تبدو الولايات المتحدة أقل تأثراً مقارنة بمناطق أخرى، غير أن المؤشرات تدل على أن هذا الوضع قد لا يستمر طويلًا، مع تراجع المخزونات بوتيرة سريعة.

وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة انخفاضاً مفاجئاً في مخزونات النفط الأمريكية بمقدار 6.2 ملايين برميل خلال أسبوع واحد، إلى جانب تراجع حاد في مخزونات البنزين والديزل.

ويحذر خبراء من أن "وسائد" السوق الحالية تنفد خلال أشهر قليلة، ما يؤدي إلى قفزات جديدة في الأسعار، خاصة مع استمرار القيود على المصافي وتفاقم نقص الإمدادات عالمياً.

ورغم أكبر صدمة في إمدادات النفط في التاريخ الحديث، لا تعكس الأسعار الحالية الحجم الحقيقي للأزمة، في ظل مزيج من العوامل المؤقتة مثل المخزونات المرتفعة، وتراجع الطلب، والمضاربات المرتبطة بالتوقعات السياسية.

لكن مع تآكل هذه العوامل تدريجياً، يرجّح محللون أن يشهد السوق أزمة إمدادات عالمية حادة لم تُسعَّر بالكامل بعد، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من الارتفاعات في أسعار الطاقة.