في وقت تهدد فيه الحرب في إيران بإرباك إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط، تتحرك الصين بسرعة لتعزيز موقعها كقوة مهيمنة في قطاع طاقة الرياح، مستفيدة من التحولات العالمية في سوق الطاقة.
توسع غير مسبوق
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أنه مع تصاعد التوترات وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم، وجدت الصين فرصة لتعزيز استثماراتها في الطاقة المتجددة، خاصة طاقة الرياح، التي تشهد توسعاً غير مسبوق داخل البلاد وخارجها.
وأوضحت أن توربينات الرياح باتت تغطي المرتفعات الصينية وتمتد عبر مساحات شاسعة من الصحاري الغربية، بينما تنقل خطوط كهرباء فائقة الجهد الطاقة لمسافات طويلة نحو المناطق الصناعية على السواحل، في نموذج يعكس استراتيجية طويلة الأمد لتأمين الطاقة.
وخلال العام الماضي، ركّبت الصين قدرات جديدة من طاقة الرياح تعادل ثلاثة أضعاف ما ركّبه باقي العالم مجتمعاً، في وقت قفزت فيه صادراتها من التوربينات، ما أدى إلى تحول مركز ثقل الصناعة عالمياً لصالحها، متقدمة على شركات غربية بارزة مثل "جنرال إلكتريك".

تفوق استراتيجي
وتبدو استثمارات الصين في الطاقة المتجددة اليوم أكثر أهمية في ظل الأزمة، حيث تواجه دول آسيوية تعتمد على نفط وغاز الشرق الأوسط صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها، بينما تتمتع بكين بمرونة أكبر بفضل بنيتها التحتية الكهربائية الحديثة.
وفي المقابل، أعادت الولايات المتحدة توجيه سياساتها نحو الوقود الأحفوري في عهد دونالد ترامب، مع تقليص دعم مشاريع طاقة الرياح، ما يعكس تبايناً واضحاً في النهج بين القوتين.
وتسعى الصين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، إلى تقليل اعتمادها على الخارج، مدفوعة باعتبارات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والتغير المناخي، وهو ما أكده الرئيس شي جين بينغ، مشدداً على أن تطوير الطاقة النظيفة يمثل خياراً استراتيجياً استباقياً.

تسارع المشاريع
ورغم أن مشاريع طاقة الرياح تتطلب وقتاً أطول للتنفيذ مقارنة بالطاقة الشمسية، فإن الصين تمتلك القدرة على التخطيط طويل الأمد، حيث قد يستغرق إنشاء مشروع رياح ما يصل إلى 3 سنوات، مقابل أقل من عام لمشاريع الطاقة الشمسية.
وفي هذا السياق، تسارع بكين إلى تطوير مزارع الرياح البحرية، التي توفر طاقة أكثر استقراراً وقرباً من مراكز الاستهلاك، مع دعم حكومي قوي ساهم في تقليص أي معارضة محلية لهذه المشاريع.
وقد بلغت مساهمة طاقة الرياح نحو 10% من إجمالي إنتاج الكهرباء في الصين العام الماضي، مع نمو مستمر سنوياً، بينما لا يزال الفحم يمثل أكثر من نصف الإنتاج، وإن كان في تراجع تدريجي.

صعود عالمي
وعلى الصعيد العالمي، تتوسع الصادرات الصينية بسرعة، حيث ارتفعت شحنات التوربينات إلى الاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ، كما سجلت زيادة كبيرة في الدول النامية ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
وتقود شركات مثل "Envision Energy" هذا التوسع، منافسة شركات دولية في أسواق مثل الهند، التي تُعد ثاني أكبر سوق لطاقة الرياح عالمياً بعد الصين.

ولكن هذا التوسع يواجه تحديات سياسية، حيث فرضت بعض الدول الأوروبية قيوداً على الشركات الصينية، وفتح الاتحاد الأوروبي تحقيقات بشأن الدعم الحكومي، ما قد يؤدي إلى فرض رسوم جمركية.
ومع استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التوترات الجيوسياسية، يتزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة البديلة، وعلى رأسها طاقة الرياح، ما يعزز موقع الصين كلاعب رئيسي في مستقبل الطاقة العالمي.
