شهدت الأسواق المالية عودة قوية للرهانات الداعمة للدولار الأمريكي، مع تزايد قناعة المستثمرين بأن الاقتصاد الأمريكي سيواصل التفوق على الاقتصادات الرئيسية الأخرى خلال العام الجاري، ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

 وبحسب بيانات هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية، سجلت المراكز الشرائية على الدولار في سوق العقود المستقبلية أكبر زيادة أسبوعية منذ عام 2018، لتصل إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عام، وفق ما ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز".

وأشار محللون في "جي بي مورغان" إلى أن هذه التحركات تعكس عودة ما يعرف بـ"تجارة الاستثنائية الأمريكية"، أي الرهان على تفوق أداء الاقتصاد الأمريكي مقارنة بنظرائه في أوروبا وآسيا.

الدولار كسلاح نفوذ.. كيف يعيد الفيدرالي الأمريكي رسم دوره في الاقتصاد العالمي؟ - موقع 24قالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، في تحليل أعده نائب رئيس قسم الاقتصاد الدولي بالمجلس الأطلسي، إن البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) سيضطر إلى إعادة التفكير في دوره العالمي خلال الأشهر المقبلة. 

وارتفع الدولار بأكثر من 2% أمام سلة من العملات الرئيسية منذ اندلاع الحرب مع إيران، مستفيداً من اعتقاد المستثمرين بأن الولايات المتحدة أقل تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة من الاقتصادات الأخرى، ورغم تراجع المخاوف الجيوسياسية بعد التوصل إلى هدنة، حافظ الدولار على معظم مكاسبه بدعم من البيانات الاقتصادية الإيجابية.

وأظهرت المؤشرات الأخيرة استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي، حيث أضاف سوق العمل 172 ألف وظيفة خلال مايو (أيار)، متجاوزاً توقعات المحللين بشكل واضح.

كما ارتفع معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، إلى 2.9% في مايو (أيار) مقارنة مع 2.8% في أبريل (نيسان)، ما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية.

وأدت هذه التطورات إلى تعديل توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية، ففي بداية العام، كانت الأسواق تراهن على عدة تخفيضات في أسعار الفائدة خلال 2026، إلا أن تلك التوقعات تراجعت مع استمرار قوة النمو والتضخم. وتشير التسعيرات الحالية إلى احتمال رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول مارس (آذار) المقبل أو على الأقل تأجيل أي خفض محتمل للفائدة.

كما ساهم الأداء القوي للأسهم الأمريكية في دعم الدولار، خاصة مع استمرار الزخم المرتبط بقطاع الذكاء الاصطناعي وتدفق الاستثمارات إلى الشركات التكنولوجية الكبرى.

 ويرى محللون أن العوائد المرتفعة في الأسواق الأميركية ما تزال تجذب المستثمرين العالميين رغم المخاوف المرتبطة بالسياسات الاقتصادية والتجارية.

في المقابل، تبدو آفاق السياسة النقدية في أوروبا والمملكة المتحدة أقل تشدداً، مع تباطؤ النمو الاقتصادي وتأثر هذه الاقتصادات بشكل أكبر بتقلبات أسعار الطاقة، ما يعزز الفجوة بين الولايات المتحدة وشركائها الرئيسيين ويدعم استمرار قوة الدولار.

ويرى خبراء أسواق أن بقاء الاقتصاد الأمريكي في مسار نمو قوي، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية، سيحافظ على جاذبية الدولار خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا واصل الاحتياطي الفيدرالي التمسك بسياسة نقدية أكثر تشدداً مقارنة بالبنوك المركزية الأخرى.